قالت رئيسة الحكومة المعينة أنها " استحضرت" ، في ذهنها طبعاً، عشرين مليون امرأة مغربية خلال استقبالها من طرف ملك البلاد. و الاستحضار في لحظة تاريخية مثل هذه يجب أن يمثل بالنسبة لفاطمة الزهراء المنصوري ما ستقوم به لمواجهة جبل من المعاناة التي تكابدها النساء المغربيات في كثير من المجالات، و خصوصاً تلك اللواتي يعشن مع أطفالهن في وضعية هشاشة أمام تكاليف السكن و العلاج و العدالة و القدرة الشرائية . لعل السيدة رئيسة الحكومة استحضرت أيضا إنتظارات الحركات النسائية في مجال استكمال الشروط التشريعية لمناقشة مضامين مدونة الأسرة و التصويت عليها مع التركيز على قضايا الولاية و الحضانة و الإرث و زواج القاصرات و التعدد و غيرها . ستجد أمامها ، بعد أيام، أكثر من مئة امرأة داخل مجلس النواب، اغلبهن في الأغلبية، و جزء منهن في المعارضة. و ستكون بعضهن من حاملات مشروع مناهضة مدونة الأسرة بحكم انتماءهن الايديولوجي المعروف بطابعه الماضوي، و الذي يتعامل مع المرأة كأنثى يحق للذكر أن يمارس عليها الهجران و التعدد و الطرد من بيت الزوجية.
و لهذا يجب على رئيسة الحكومة أن تربط استحضارها لعشرين مليون امرأة بضرورة دعم ورش إصلاح المدونة الذي أعطى انطلاقته ملك البلاد في 30 يوليوز 2022 من أجل إنصاف و عدل و انخراط مغربي في منظومة عدالة تبعد بلادنا عن منطقة رمادية في مجال ضمان حقوق أسرة و تضمن حياة كريمة لكل مكوناتها.
وضح خطاب ملك البلاد في 30 يوليوز 2022 الأهداف المتوخاة من إصلاح مدونة الأسرة لكل المغاربة دون استثناء. و وضع المصلحة العليا و الفضلى للأطفال في أعلى مدارج سلم الأولويات الإجتماعية. و أكد أن أهم قاعدة قانونية هي تلك التي تضمن التوازن داخل الأسرة . وأكد أن الإصلاح ضروري و أنه سيتم باتخاذ ما يلزم من مقتضيات لا " تحل حراما و لا تحرم حلالا ". و انطلق مسلسل التشاور سنة 2023 ليتم تتويجه سنة 2024 عبر مقترحات تجاوزت المئة تضمنها تقرير اللجنة التي كلفت بمشروع الإصلاح. و تمت إحالة القضايا التي تتطلب رأيا شرعيا إلى المجلس العلمي الأعلى. و لا زال مشروع الإصلاح في قاعة الانتظار منذ 2025 . و يعتبر إنصاف الأسرة و المرأة من أهم وسائل مواجهة هشاشة بنية الأسرة . و لقد سبق للسيدة المنصوري ان ابدت رايها و موقفها من عدة قضايا تناضل من اجلها المنظمات و الجمعيات النسائية منذ الثمانينات. و اعتبرت زواج القاصرات و الولاية المشتركة و الحد من التعدد من أهم القضايا التي يجب أن تكون في جوهر إصلاح مدونة الأسرة. و لا يغيب عن رئيسة الحكومة أن القانون لا زال " ذكوريا" لأنه لا يحد من تسلط " ذلك الذكر" الذي وصفته في مقال سابق "بالمهيمن على مستقبل الأسرة، و ذلك الذي يقرر متى شاء أن يرمي بالأطفال و أمهم خارج بيت كان يحضنهم. و بعد كل ما اقترفه، يمكنه إعادة جرمه بالتزوج بثانية و ثالثة و رابعة. و كثيرا ما يجد البعل سندا من طرف حماة فكر رجعي يرى في كل إصلاح تهديدا للأسرة و لمؤسسة الزواج، و لعزوف " الذكور " عن تكوين الأسر و لكل ما يشهده المجتمع من هشاشة " .
و من المؤكد أن تجد السيدة المنصوري أمامها الكثير من الأصوات الرجعية، التي تتجاهل كل ما تعانيه الأسرة من مشاكل يتسبب فيها القانون الذي لا يحميها في مواجهة العديد من الممارسات التي تؤذي الأطفال، و تتسبب في اضعاف الوسائل الكفيلة بإثبات وضعية الأطفال أمام غياب الدعم القانوني للتعرف على الوضعية المالية الحقيقية للذكر الزوج. و هكذا تجد كثير من النساء الحاضنات كثيراً من المصاعب أمام السلطة التقديرية للقضاة، و أمام سد الأبواب أمامهن للولوج إلى المعلومات البنكية و العقارية و التجارية للزوج . و يصبح صاحب الملايين مطالبا بنفقة لا تسمح بتمدرس الأطفال و لا بضمان شروط عيش تحفظ كراكتهم. و لهذا تدخل ملك البلاد لإطلاق مرحلة ثانية لإصلاح مدونة الأسرة بعد حوالي عشرين سنة على الإصلاح الأول في سنة 2004 . و ستكون الأسر التي حدث داخلها طلاق محتاجة لمساعدة مؤسساتية تمكن الزوجة من الحصول على دعم ملفها أمام المحكمة، و ذلك عبر نظام معلوماتي يربط المحاكم بكافة المؤسسات التي يمكن أن تحدد بدقة مستوى دخل و املاك الزوج و الزوجة.
فلتستحضر السيدة المنصوري ما تعانيه النساء من حيف، و ما يحيق بالأسرة، و خصوصا بالأطفال، من مخاطر و سببه تأخر في وضع قوانين و مقتضيات تستهدف ضمان تحقيق المصلحة الفضلى للأطفال. نعم لقد تعددت و تكاثرت حالات الطلاق، و تراجع مؤشر الإقبال على الزواج. الأمر لا يتعلق هنا بربط حماية الأسرة بالأخطار التي تهدد ربها الذكر . الأمر له علاقة بالأحوال الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية لأغلب الفئات التي تعيش في وضعية هشاشة على الصعيد العالمي و، و حتى فئات اجتماعية غنية و متوسطة. و تتجاهل القوى الرجعية كل قراءة تنتقد طريقة تفكيرهم التي تربط كل الخطايا و المصائب بالمرأة. ينسى و يتناسى حاملو هذا الفكر كل النجاحات التي سجلتها النساء في كافة المجالات العلمية و السياسية و الاقتصادية، و ذلك نهجهم عبر كل الحقب إلى اليوم . و لهذا ينتظر التعامل مع هذآ الإصلاح بنفس أقوى من مما تتطلبه الإصلاحات الضرورية الأخرى. و تنتظر النساء التصريح الحكومي المنتظر مع أمل في يتم وضع قضية إصلاح مدونة الأسرة ضمن الاولويات.






