رأي

محمد شرقاوي: إصلاح المسار

إن بناء المغرب الصاعد لا يتوقف على وضع الاستراتيجيات وإطلاق الإصلاحات فحسب، بل يتطلب، قبل كل شيء، تشخيصًا دقيقًا للإشكالات الحقيقية التي تعيق تنمية المواطن والوطن، واعتماد مقاربات مبتكرة تعالج أسبابها الجذرية، وتضمن توجيه الطاقات والموارد نحو النتائج المنشودة.


تابعت، منذ سنة 2005، وبشغف كبير، الخطب الملكية التي تقدم تشخيصات دقيقة للإشكالات الاجتماعية والاقتصادية، وتطرح توجيهات ورؤى تتجاوز الولايات الحكومية، وترسم، منذ تولي الملك محمد السادس العرش، ملامح المغرب الصاعد.


وقد أكد جلالته، في الخطاب السامي بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية 2026-2031، على الأسس والركائز التي ستشكل الدعائم الأساسية لمسيرة تنمية المواطن والوطن، في اتجاه بناء المغرب الصاعد.


وفي المقابل، تابعت الإصلاحات والتصورات والاستراتيجيات التي اعتمدتها الحكومات المتعاقبة منذ سنة 2005، والتي كان من بينها ما يصب في مصلحة المواطن والوطن، ومنها ما أرى أنه لم يحقق النتائج المرجوة، بل ساهم في استمرار بعض الإشكالات وتعقيدها.


وحتى أكون واضحًا، وهذه هي الغاية الأساسية من هذا المقال، فإن بعض الإصلاحات والاستراتيجيات لم تكن، في تقديري، تنطلق دائمًا من تشخيص دقيق للإشكالات الحقيقية التي تعاني منها القطاعات المستهدفة.


فكيف يمكن التفكير في حل مشكلة معقدة إذا كان التشخيص ينطلق من مشكلة ليست هي المشكلة الحقيقية؟ أليس في ذلك هدر للوقت والمال، واستنزاف للطاقات العاملة داخل القطاع، وتعطيل لمسار التنمية، ودفع لبعض المواطنين إلى البحث عن بلدان أخرى توفر لهم ظروفًا أفضل للعيش الكريم، وتقدّر كفاءاتهم، وتنصت إلى أفكارهم ومقترحاتهم، وتدعم مبادراتهم ومشاريعهم؟


إنني أطرح هذه الأسئلة انطلاقًا من تجربة شخصية عشت تفاصيلها، حين لم تتمكن مبادراتي المواطنة من الحصول على الاستمرارية في الدعم التي كنت أطمح إليها، خلال الحكومات التي ترأسها كل من السيد عبد الإله ابن كيران والسيد سعد الدين العثماني والسيد عزيز أخنوش.


وأعتقد أن من بين العوامل التي ربما أثرت في مسار هذه المبادرات ارتباطها، في بدايتها، بمساندة معنوية من حكومة سابقة قادها حزب الاستقلال. ولا أستطيع الجزم بأن هذا العامل وحده يفسر ما حدث، لكن تجربتي جعلتني أتساءل عن مدى تأثير الاعتبارات الحزبية في تقييم المبادرات المواطنة واستمراريتها.


لقد اخترت، بصفتي مقاولًا اجتماعيًا، طريقًا صعبًا للاستثمار: الاستثمار في اقتراح حلول للإشكالات الاجتماعية والاقتصادية والتربوية والصحية وغيرها، بدل الاكتفاء بوصف المشكلات أو انتظار أن يتولى الآخرون معالجتها.


وهو اختيار كلّفني الكثير، على المستوى الشخصي والمهني، لأنني فضّلت المساهمة بأفكاري ومبادراتي في خدمة المواطن والوطن، بدل مواصلة مساري خارج المغرب، بعدما كانت لدي فرص للهجرة إلى فرنسا سنة 1999 وإلى كندا سنة 2005، واستمررت في طرق الأبواب من أجل إعطاء مبادراتي فرصة حقيقية للتنفيذ.


ومن بين هذه المبادرات «المشروع العالمي تربية وصحة»، الذي عملت على إطلاقه سنة 2008 بشراكة مع طبيب وكاتب فرنسي ذو صيت عالمي، مختص في الطب النفسي المعرفي. وقد حظي المشروع بمساندة معنوية من شخصيات ووزارات حكومية مغربية، كما تمت المصادقة على الدليل العالمي تربية وصحة من طرف مديرية السكان سنة 2009، وتلقى مساندة معنوية من وزيرة الصحة سنة 2010.


وفي سنة 2016، تلقيت، في إطار المشروع نفسه، ردًا من وزيرة التعليم الفرنسية آنذاك، نجاة فالو بلقاسم، عبّرت فيه عن مساندتها للمبادرة ووجّهتني إلى التواصل مع المدير العام للسياسات التعليمية في فرنسا من أجل بحث سبل تنزيلها.


ومع ذلك، فضّلت الاستمرار في العمل من أجل إطلاق المشروع في المغرب، إيمانًا مني بأن المواطن المغربي يستحق الاستفادة من الحلول المبتكرة، وبأن المبادرات المواطنة ينبغي أن تجد طريقها إلى الدراسة والتقييم والتنفيذ متى أثبتت جدواها.


لماذا أكتب هذا المقال في هذا التوقيت بالذات؟


لأنني حاولت جاهدًا التواصل مع السيدة رئيسة الحكومة، التي عيّنها الملك محمد السادس، نصره الله وأيّده، لتشكيل الحكومة، من أجل عرض تصور استراتيجي اقترح من خلاله تغيير فلسفة الدعم المباشر، واعتماد مقاربة مختلفة لتنمية المواطن والوطن، إلى جانب مقترحات تتعلق بإعادة النظر في هيكلة الهندسة الحكومية وأسماء بعض الوزارات.


غير أنني، رغم مراسلتي بعض قيادات الحزب وإحالتهم على مقترحاتي، لم أتمكن حتى الآن من الوصول إلى قناة تواصل تتيح عرض هذا التصور ومناقشته.


وما أطمح إليه ليس مجرد تغيير أسماء الوزارات، بل إعادة التفكير في كيفية تنظيم العمل الحكومي، حتى تكون الاختصاصات والمسؤوليات أكثر وضوحًا، ويصبح التركيز منصبًّا على حل الإشكالات الحقيقية التي تعاني منها القطاعات، بدل الاكتفاء بتدبير الملفات وفق تقسيمات قد لا تعكس دائمًا طبيعة المشكلات المطلوب حلها.


أعتقد أن على رئيسة الحكومة أن تفكر بجدية في مراجعة أسماء بعض الوزارات واختصاصاتها، بما يعزز وضوح الأهداف ويخدم الانسجام بين السياسات العمومية.


فعلى سبيل المثال، لدينا وزارة الصحة والحماية الاجتماعية. وهنا أطرح سؤالًا: ما طبيعة العلاقة الوظيفية بين الصحة والحماية الاجتماعية؟ وهل يضمن جمع المجالين تحت وزارة واحدة وضوح الأولويات وتكامل السياسات، أم أن الأمر يستدعي تحديدًا أدق للاختصاصات والآليات التي تربط بينهما؟


كما لدينا وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة. وهنا أتساءل بدوري: هل يعكس اسم الوزارة بوضوح المهمة الأساسية المتعلقة بالتربية والتعليم؟ إن توضيح المفاهيم ليس مجرد مسألة لغوية أو شكلية، بل يمكن أن يساعد على تحديد المسؤوليات والأهداف، خصوصًا عندما نميز بين التربية باعتبارها بناءً للشخصية، والتعليم باعتباره عملية لاكتساب المعارف والمهارات.


لذلك، أقترح على السيدة فاطمة الزهراء المنصوري إعادة النظر في أسماء بعض الوزارات، وفق تصور يربط بين التسمية والاختصاصات والأهداف المنتظرة، ومن بين المقترحات التي أرى أنها تستحق الدراسة:


1. وزارة التربية والصحة، بدل وزارة الصحة والحماية الاجتماعية.


لماذا التربية والصحة؟ لأن التربية، تشمل تكوين شخصية متوازنة ومندمجة اجتماعيًا، قادرة على الاستفادة من تعليم يفتح أمامها آفاق المستقبل، ويساعدها على الاندماج في عالم الشغل، وبناء حياتها باستقلالية، والمحافظة على صحتها النفسية والجسدية.


ولا يعني هذا أن الصحة والحماية الاجتماعية لا تربط بينهما علاقة وثيقة، بل إن المقترح يدعو إلى التفكير في جعل الوقاية والتربية الصحية محورًا أساسيًا في السياسة الصحية، مع تحديد الموقع الأنسب للحماية الاجتماعية ضمن الهندسة الحكومية.


2. وزارة التعليم الأولي والابتدائي والإعدادي والثانوي، بدل وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة.


يهدف هذا المقترح إلى إبراز المراحل التعليمية التي تشرف عليها الوزارة، وتوضيح اختصاصها الأساسي، مع ضمان التنسيق مع القطاعات المعنية بالتربية والرياضة وباقي جوانب بناء شخصية الطفل واليافع.


3. وزارة الشباب والرياضة والثقافة، بدل وزارة الشباب والثقافة والتواصل.


وذلك بهدف إبراز العلاقة بين الشباب والرياضة والثقافة، باعتبارها مجالات يمكن أن تتكامل في تنمية قدرات الشباب، وتعزيز اندماجهم ومشاركتهم في الحياة المجتمعية.


4. وزارة التكوين والشغل.


بهدف تعزيز الترابط بين التكوين ومتطلبات سوق الشغل، وتطوير السياسات التي تساعد الشباب والباحثين عن عمل على اكتساب الكفاءات اللازمة للاندماج المهني.


5. وزارة التضامن والأسرة والحماية الاجتماعية والتنمية المستدامة.


وهو مقترح يرمي إلى التفكير في تكامل السياسات الموجهة للأسرة والفئات التي تحتاج إلى الدعم، مع مراعاة الأبعاد الاجتماعية والتنموية، وتحديد الاختصاصات بما يمنع التداخل بين القطاعات.


6. وزارة التواصل والابتكار والكفاءات والذكاء الاصطناعي.


ويهدف هذا التصور إلى إبراز أهمية التواصل والابتكار وتنمية الكفاءات والتكنولوجيا الحديثة، في سياق التحولات الرقمية المتسارعة، مع ضرورة تحديد اختصاصات واضحة تضمن فعالية هذا الجمع بين المجالات.


إن هذه المقترحات ليست غاية في حد ذاتها، ولا أدّعي أن تغيير أسماء الوزارات وحده كفيل بإصلاح القطاعات. فالعبرة ليست في الاسم، بل في وضوح الاختصاصات، وتحديد المسؤوليات، وجودة التنسيق، ووجود استراتيجية عملية تقيس النتائج وتصحح الاختلالات.


إن المغرب الصاعد الذي نطمح إليه يحتاج إلى أكثر من استراتيجيات مكتوبة وبرامج معلنة؛ إنه يحتاج إلى منهجية متكاملة تبدأ بالتشخيص الدقيق، وتنتقل إلى تحديد الأسباب الجذرية، ثم تصميم الحلول، واتخاذ القرارات المناسبة، وتنفيذها وتقييم نتائجها باستمرار.


ومن هذا المنطلق، أتمنى أن تجد مقترحاتي وغيرها من المبادرات المواطنة الجادة فرصة للدراسة والحوار، وأن يكون معيار تقييمها هو مدى قدرتها على خدمة المواطن والوطن، بعيدًا عن أي اعتبارات لا ترتبط بجدواها.


فالمواطن لا ينتظر منا أسماء جديدة للوزارات بقدر ما ينتظر تعليمًا أفضل، وصحة أكثر جودة، وتكوينًا يفتح أبواب الشغل، وحماية اجتماعية تحفظ كرامته، وإدارة تستمع إلى أفكاره وتتعامل بجدية مع مشكلاته.


إن تغيير المسار يبدأ من تشخيص المشكلة الحقيقية، لكنه لا يكتمل إلا حين تتحول الأفكار إلى حلول، والحلول إلى نتائج ملموسة في حياة المواطنين.