رأي

مريم جمال الإدريسي: المخدرات الفكرية وصناعة التفاهة

من زاوية تطل على المشهد السياسي الراهن، تبدو ملامح الساسة والسياسة غريبة عن أصولها وتاريخها، وكأن السياقات قد سيقت بإحكام نحو برمجة فكرية تحاصر العقول داخل ما يراد لها أن تكون عليه، وتحدد لها ما تفكر فيه، بل وكيف تفكر فيه.


العقول التي امتلكت القدرة على تحمل مسؤولية التدبر غادرت أو هاجرت أو اختارت الصمت، فيما بقيت أخرى تدمن ما يضخ إليها عبر مداخل تبدو مشروعة، وقد تسخر لتحقيق مآرب غير مشروعة.


هكذا يبدو المشهد: حفل عقد فيه قران التفاهة بالعقول المدمنة، وصار فيه تغييب السؤال شرطا لاستمرار الاحتفال.


وليست المشكلة فيمن يعرف قواعد اللعبة ويستغلها لصالحه، أو لصالح ذويه ومن يواليه، فهؤلاء يدركون ما يفعلون، ويعرفون نصيبهم من الغنيمة. وربما أفسحوا مكانا لمن يملأ الكؤوس، فتطرح بعض الحقائق للحظات على مائدة تحمل ما لذ وطاب من أصناف السلطة وامتدادات النفوذ.


إنما الطامة الكبرى، والمصيبة العظمى، فيمن أدمن ما يساق إليه من أفكار، وما يلقن من طرائق ومناهج لتركيبها، فيعيد إنتاجها آليا ودون مساءلة، ويحسب أنه يمارس التفكير، بينما يتحرك داخل نسق أحكمه غيره، وأغلق عليه منافذ النقد.


وحين يبلغ هذا الإدمان مداه، يصبح التلقين قناعة، والتبعية وفاء، والابتذال واقعية سياسية، ويغدو الاعتراض نشازا يستوجب الإقصاء.


هكذا تصير التفاهة مادة تستوجب التدريس، وقلة الأخلاق جرأة تستلزم التدريب، فتضيع معالم السياسية، وتطفو على سطحها كائنات مدربة على استهلاك الخطاب وإهلاك ما تبقى من القيم.

والأدهى بمرارة، هو تحول المواقع وانهيار بعضها، فيصير المبتذل والحقير ذكيا، ويبيت الصادق والطيب غبيا، ويعلو الوقح والانتهازي قيمة وينزل الى درك التصنيف المجتمعي الراضين بالتعفف والمؤمنين بسوء القدر.


وأخطر المخدرات الفكرية ما يجعل العقل يظن أنه بلغ تمام الوعي، في اللحظة التي يفقد فيها قدرته على السؤال.