سياسة واقتصاد

جواباً على بوعشرين: ليست "أظافر"... إنها رئيسة حكومة

سفيان خلي هنا

قرأنا مقال الأستاذ بوعشرين عن جلسة أمس، وانتظرنا فيه تحليلاً سياسياً لنقاش دستوري حول التزكية والثقة، فإذا بنا أمام نص لا يحاكم رئيسة الحكومة على برنامجها، بل يحاكمها على كونها امرأة.


ما كتبه بوعشرين أمس لم يكن نقداً سياسياً، كان كشفاً صريحاً لنظرة جنسانية متجذرة، تختزل المرأة في الجسد، حتى ولو كانت تجلس على كرسي رئاسة الحكومة.


حين يصف رئيسة الحكومة بأنها "أخرجت أظافرها"، فهو لا يصف خطاباً سياسياً، هو يصف مشهداً من مخيلته الذكورية، حيث المرأة حين تغضب تتحول إلى كائن يخمش. لو كان رئيس الحكومة رجلاً ورفع صوته في وجه المعارضة، هل كان سيكتب بوعشرين أنه "أخرج أظافره"؟ أم كان سيكتب أنه "أظهر حزمه وقوة شخصيته"؟


هذه اللغة ليست صدفة، هذه عقلية.


وحين يضيف أن ما جرى يشبه "حلقة من حلقات جامع الفنا"، فهو لا يهين رئيسة الحكومة فقط، هو يهين المؤسسة البرلمانية كلها، ويهين الناخبين الذين أوصلوا هؤلاء النواب. لكنه اختار أن يلصق تهمة "الفلكلور" برئيسة الحكومة وحدها، لأن المرأة في نظره حين تتكلم بصوت عالٍ، تصبح فلكلوراً، أما الرجل حين يصرخ فهو زعيم.


ويعيب عليها أنها ردت على ريم شباط، ويقول "ليس من قواعد التواصل". ومنذ متى كان الدفاع عن أعضاء حكومتك ضد القصف الشخصي ضعفاً؟ رئيسة الحكومة لم تتهجم، رئيسة الحكومة قالت: كفى من الشخصنة. وهذا ما لم يفهمه من اعتاد أن يرى المرأة في الحكومة مجرد منسقة علاقات عامة تبتسم وتمرر.


أما حديثك عن أن البرلمان يمثل 20% فقط، فذكرك بهذا الرقم في وجه امرأة منتخبة ديمقراطياً هو تبخيس مقصود. هذه هي الديمقراطية التي لدينا، شارك فيها من شارك، وقاطع من قاطع، ورئيسة الحكومة نالت ثقة من يمثل الأمة دستورياً، لا من يمثل مزاجك الشخصي.


لكن دعنا ننزع القناع قليلاً يا أستاذ بوعشرين.


أنت اليوم لا تكتب كصحافي مستقل، أنت تكتب كلسان حال جلباب جديد فصلته لك جماعة العدالة والتنمية على مقاسك، جلباب العفة والطهرانية.


بعد أن لفظتك كل المنابر، وجدت في حضن البيجيدي ملاذاً، فلبست جلبابهم، وأطلقت لحية خطابهم، وصرت تتوضأ بماء زمزمهم السياسي، وتوزع صكوك الأخلاق على الناس. صرت فجأة حارساً للفضيلة، ومدافعاً عن تخليق الحياة العامة، وكأن المغاربة نسوا من أنت وماذا كنت تكتب أمس.


أنت تختبئ اليوم وراء مقترحات الأزمي حول تخليق الحياة العامة، لتمارس أبشع أنواع التخليق الانتقائي. تغض الطرف عن "صفقات" من يحتضنك، وتتذكر فجأة "صاك طنجة" كلما تعلق الأمر بحزب تقوده امرأة لا تشبهك ولا تشبه من يمول قلمك اليوم.


جلباب العفة الذي ترتديه اليوم ضيق عليك يا أستاذ. فالمغاربة يعرفون أن من يهاجم امرأة لأنها رفعت صوتها في البرلمان، ويصفها بأنها نزلت إلى "أدنى درجات البوليميك"، هو نفسه الذي نزل بقلمه إلى أدنى درجات الشخصنة حين كان يقتات من تشويه النساء في أعراضهن.


كنت بالأمس تبيع الوهم بأنك ضحية، واليوم تبيع الوهم بأنك قاضٍ أخلاقي. والحقيقة أنك لم تكن يوماً لا هذا ولا ذاك. كنت وما زلت رجلاً يبحث عن سقف يحميه، فمرة كان سقف الإثارة الرخيصة، واليوم سقف البيجيدي الذي يمنحك شرعية مزيفة.


المنصوري التي تهاجمها اليوم لا تحتاج من يدافع عنها، هي قادرة على الرد داخل المؤسسة، بلغة المؤسسة. لكننا نحن كمتتبعين، من حقنا أن نسألك: بأي أخلاق تحاكم رئيسة الحكومة؟ وبأي عفة تتحدث عن السخرية من اللغة العربية وأنت تسخر كل يوم من كرامة المرأة المغربية حين تختزلها في "أظافر"؟


مشكلة بوعشرين مع المنصوري ليست سياسية، مشكلته مع فكرة المنصوري نفسها.


امرأة، من مراكش، تقود حزباً كان يقال إنه حزب الرجال الأقوياء، وتصل لرئاسة الحكومة، وترد على المعارضة بلا خوف، ولا تطلب الإذن من أحد لتتكلم.


هذه الصورة لا يستوعبها قاموسك السياسي المبني على الزعيم الذكر الملهم. امرأة تقول لا، في قاموسك هي "أخرجت أظافرها". رجل يقول لا، هو "قصف شريط المعارضة".


نحن لا ندافع عن المنصوري لأنها لا تخطئ، نحن ندافع عن حقها في أن تخطئ كرئيسة حكومة، لا كامرأة يراد تأديبها لغوياً كلما رفعت صوتها.