لكي تفهم خطة الحكومة لإعادة الأسعار، لا تقرأ أرقام قانون المالية، بل تتبع حبة طماطم واحدة.
تخرج الطماطم من ضيعة في شتوكة آيت باها بدرهمين للكيلو. يأخذها وسيط أول بثلاثة دراهم، ينقلها إلى سوق الجملة بإنزكان بلا تبريد، يأخذها وسيط ثان بأربعة دراهم، يحملها في شاحنة مفتوحة إلى الدار البيضاء، يأخذها وسيط ثالث بسبعة دراهم، يوزعها على تجار التقسيط بثمانية، تصل إليك في الرباط أو الدار البيضاء باثني عشر درهما. الفلاح ربح درهما واحدا، وأنت دفعت عشرة دراهم زائدة، والوسطاء ربحوا التسعة الباقية بلا قيمة مضافة.
هذه القصة البسيطة هي التي جعلت الملك محمد السادس يضع في المجلس الوزاري ليوم 17 أكتوبر الماضي، إعادة تنظيم مسالك التوزيع كأولوية أولى لمشروع قانون مالية 2027، وهي التي جعلت فوزي لقجع يقول أمام البرلمان يوم 23 أكتوبر: سنعيد الأسعار إلى طبيعتها، ليس بالدعم فقط، بل بقطع يد الوساطة الطفيلية.
والخطة التي وضعتها حكومة المنصوري ليست خطة أسعار، بل هي خطة لقطع الطريق بين الفلاح والمستهلك عن كل من لا يقدم خدمة حقيقية.
الفصل الأول: ست شركات لتكسير ست حلقات من الوساطة
الفكرة التي تبدو تقنية لكنها ثورية، هي إحداث ست شركات جهوية للتجميع والتسويق في الأحواض الستة الكبرى: سوس، تادلة، الغرب، اللوكوس، دكالة عبدة، والشرق. هذه الشركات ليست إدارات جديدة، بل هي منصات لوجستيكية عصرية تملك الشاحنات المبردة ومحطات التلفيف ومخازن التبريد ومنصات رقمية لتتبع الأسعار لحظة بلحظة.
ما معناها؟ معناها أن فلاحا صغيرا في سوس لن يضطر أن يبيع محصوله في الثالثة صباحا في سوق الجملة لوسيط يفرض عليه الثمن، بل سيسلمه لشركة جهوية توزن وتبرّد وتعبئ وتدفع له ثمنه في 48 ساعة بتحويل بنكي، ثم تبيعه مباشرة لأسواق كبرى أو لتعاونيات استهلاكية بهامش ربح محدد ومراقب.
الحكومة خصصت لهذا التحول مليار درهم في مالية 2027، ليس لبناء مقرات، بل لتأهيل المجازر وأسواق الماشية وإحداث منصات جهوية للتخزين والتلفيف، وربطها بنظام معلوماتي وطني يرصد كل كيلوغرام من الطماطم والبصل واللحوم من الضيعة إلى المائدة.
وهنا لأول مرة يدخل الإصلاح إلى أكثر القطاعات فوضوية: سوق اللحوم الحمراء حيث المجازر الحالية لا تحترم أبسط شروط السلامة، وسوق السمك حيث السردين يباع في الميناء ب 4 دراهم ويصل إلى فاس ب 25 درهما.
الفصل الثاني: مخطط موسمي بدل رد فعل موسمي
كل سنة نعيش نفس المسرحية. يختفي البصل في رمضان، فترتفع أسعاره إلى 15 درهما. يختفي زيت الزيتون في الشتاء، فيصل إلى 110 دراهم. تختفي الطماطم في الصيف، فتصل إلى 14 درهما. والحكومة كل مرة تتدخل متأخرة بقرار استيراد أو منع تصدير.
خطة 2027 تقلب المنطق. ستعد الحكومة مخططات موسمية للتموين لسبع مواد استراتيجية لا يستغني عنها المغربي: الحبوب، البطاطس، البصل، الطماطم، اللحوم الحمراء، السردين، وزيت الزيتون. هذه المخططات ستحسب قبل الموسم بثلاثة أشهر: كم سننتج؟ كم سنستهلك؟ كم لدينا في المخزون؟ كم سنصدّر؟ وإذا ظهر عجز متوقع، سيتم تفعيل ثلاثة أزرار قبل أن يشعر المواطن بالغلاء: تعبئة المخزون الاستراتيجي، دعم الإنتاج، أو تقنين الصادرات بشكل مؤقت لإعطاء الأولوية للسوق الوطنية.
ولأول مرة، ستصبح مراقبة المخزونات إلزامية. كل تاجر جملة يخزن أكثر من حد معقول من البصل أو البطاطس سيكون ملزما بالتصريح به، وكل تلاعب سيعتبر مضاربة يعاقب عليها القانون. الهدف ليس التسعير الإداري الذي فشل في كل التجارب، بل جعل هامش الربح متناسبا مع الخدمة المقدمة فعلا، لا مع قدرة التاجر على حبس السلعة.
الفصل الثالث: أن ترفع راتبه بدل أن تخفض سعر خبزه
وهنا الجزء الأذكى في الخطة، لأن الحكومة فهمت أن المواطن لا يعاني فقط من ارتفاع الأسعار، بل من ثبات دخله.
لذلك جاء الإصلاح الضريبي الذي سيغير حياة الطبقة المتوسطة. اليوم، موظف يتقاضى 8000 درهم صافية يدفع حوالي 800 درهم ضريبة على الدخل كل شهر. ابتداء من يناير 2027، نفس الموظف سيصبح معفى كليا. لأن الحكومة رفعت السقف المعفى من 40 ألف درهم سنويا إلى 60 ألف درهم، وقلصت الأشطر من خمسة إلى ثلاثة، وخفضت المعدل الأقصى من 37% إلى 30%.
ما معنى هذا؟ معناه أن 87% من الأجراء المغاربة لن يدفعوا ضريبة على الدخل بعد اليوم، ومعناه أن أسرة كانت تعيش ب 8000 درهم ستصبح تعيش ب 8500 درهم بدون أن تطلب زيادة من مشغلها، وبدون أن تكلف الدولة درهما واحدا من الدعم، بل فقط بأن تترك لها ما كانت تأخذه منها.
الدولة تحسب أن هذا الإصلاح سيضخ 5.5 مليار درهم إضافية في جيوب الأجراء سنة 2027، وسيصل المكسب إلى 1170 درهما شهريا لمن يتقاضى 11.800 درهم، و 3079 درهما لمن يتقاضى 18.700 درهم، على مراحل حتى 2031.
الفصل الرابع: شبكة الأمان الأخيرة
وحتى لا يسقط أحد، أبقت الحكومة على صندوق المقاصة ب 19.4 مليار درهم لدعم غاز البوتان والسكر والدقيق، وقررت لأول مرة تحمّل فواتير الكهرباء والماء التي تقل عن 100 درهم بشكل تلقائي للأسر الهشة المسجلة في السجل الاجتماعي الموحد، بدون أن تطلب من الأم الأرملة في زاكورة أن تملأ استمارة.
كما رفعت الدعم المباشر من 500 إلى 600 درهم، في طريقها إلى 1000 درهم، وخصصت 50 مليار درهم لمخرجات الحوار الاجتماعي ل 1.25 مليون موظف، بعد أن رفعت الحد الأدنى للأجور في القطاع الخاص بنسبة 21% للصناعة و27% للفلاحة.
كل هذا لكي يبقى التضخم في حدود 2%، بعدما نجحت الحكومة في خفضه إلى 0.7% نهاية 2026.
إن خطة الحكومة ليست لائحة إجراءات، بل هي تغيير في الفلسفة. من حكومة كانت تقول للمواطن سأدعم سعر الطماطم لكي تشتريها، إلى حكومة تقول سأقطع يد الوسيط الذي يرفع سعر الطماطم، وسأترك في جيبك 500 درهم إضافية لكي تشتريها بكرامة، وسأضمن أنك إذا لم تستطع شراءها، فلن تبيت بدون كهرباء.
هل ستنجح؟ الجواب ليس في الرباط، بل في سوق الجملة بإنزكان، وفي مجزرة بني ملال، وفي ميناء آسفي، وفي شباك الأجور لموظف في تازة نهاية يناير القادم. إذا رأى المواطن أن الطماطم عادت إلى 6 دراهم، وأن أجرته زادت 500 درهم بدون أن يطلب، فسيصدق أن الأسعار عادت إلى مستويات معقولة. وإذا لم ير، فستبقى الخطة أجمل مذكرة تقديم في أرشيف وزارة المالية.






