قضايا

صفر هدر مدرسي: حين يصبح الالتزام الحكومي اختباراً للالتقائية

الحسين زاهدي (أستاذ التعليم العالي، خبير في السياسات التربوية العمومية)

       أعلنت السيدة رئيسة الحكومة، في التصريح الحكومي أمام البرلمان، التزام الحكومة بالقضاء على الهدر المدرسي والوصول إلى صفر في المائة منه في نهاية ولايتها الحالية. وهو التزام طموح، ولا شك أن نجاحه سيكون مكسباً كبيراً للمدرسة المغربية ولحق الأطفال والشباب المغاربة في التربية والتكوين.

لكن هذا الطموح يطرح سؤالاً يتجاوز حجم الموارد والإجراءات التي يمكن أن تخصصها وزارة التربية الوطنية لمواجهة الظاهرة، وهو:

"هل يمكن بلوغ صفر هدر مدرسي بمنطق قطاعي، بينما الهدر المدرسي نفسه ليس ظاهرة قطاعية؟"

    ان الهدر المدرسي قضية حكومية، والأسباب التي تدفع الطفل أو المراهق إلى الانقطاع عن الدراسة لا توجد بالضرورة فقط داخل أسوار المؤسسات التعليمية، بل قد تكون كذلك خارجها، كالهشاشة الاجتماعية، والصعوبات الأسرية، وبُعد المؤسسة، والنقل، والصحة، والإعاقة، وظروف العيش في الوسط القروي، وضعف الاندماج المدرسي، أو غيرها من العوامل التي لا توجد، بطبيعة الحال، كل أدوات معالجتها داخل قطاع التربية الوطنية.

ومن ثم، فإن معالجة الهدر المدرسي لا ينبغي أن تتوقف عند حدود السؤال:

"ماذا تستطيع وزارة التربية الوطنية أن تفعل؟"

بل ينبغي أن تنتقل إلى سؤال آخر:

"ماذا تستطيع الحكومة، بمختلف قطاعاتها ومؤسساتها وفاعليها الترابيين، أن تفعل مجتمعةً حتى لا يغادر طفل المدرسة؟"

وهنا بالضبط تكتسب كلمة "منظومة" التي جاءت بها الرؤية الاستراتيجية للإصلاح والقانون-الإطار معناها الحقيقي.

فالقانون-الإطار رقم 51.17 لم يتعامل مع التربية باعتبارها قطاعاً معزولاً، وإنما أرسى مفهوم منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، وربط إصلاحها بضرورة التنسيق والتكامل بين مختلف المتدخلين. ولم يترك هذا المبدأ في مستوى الخطاب؛ بل نص في مادته 57 على إحداث "اللجنة الوطنية لتتبع ومواكبة إصلاح منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي" لدى رئيس الحكومة.

ثم جاء المرسوم رقم 2.19.795 الصادر في 8 أكتوبر 2019 ليحدد تنظيم هذه اللجنة وكيفيات سيرها، برئاسة رئيس الحكومة، وبتمثيلية لعدد من القطاعات الحكومية والجهات والمؤسسات المعنية. وهي، بهذا المعنى، ليست لجنة قطاعية أخرى، وإنما آلية حكومية صُممت أصلاً لتأمين التقائية السياسات والبرامج القطاعية المرتبطة بإصلاح المنظومة.

إن الحكومة الحالية، إذن، ليست مطالبة باختراع العجلة؛ فالإطار المؤسساتي موجود وقائم، ويحتاج منها إلى التفعيل. لذلك، فإن السؤال الذي تطرحه اليوم بإلحاح عبارة "صفر هدر مدرسي" هو:

"هل آن الأوان لكي تتحول الالتقائية التي ينص عليها القانون-الإطار من مبدأ مؤسساتي إلى طريقة فعل حكومي منتظمة، وأن يصبح الهدر المدرسي أحد الاختبارات العملية لذلك؟"

فإذا كان الهدف هو القضاء على الهدر المدرسي، فإن نجاح أي قطاع بمفرده لن يكون كافياً. وإنما المطلوب هو أن تلتقي السياسات الاجتماعية والصحية والمجالية وسياسات النقل والتربية وغيرها حول الطفل المهدد بالانقطاع، وأن يعرف كل قطاع ما الذي يمكنه أن يقدمه، ومتى، وكيف، وبأي مؤشرات لقياس النتائج. وهنا تحديداً يبرز بوضوح معنى الانتقال من تدبير قطاع إلى تدبير منظومة.

وفي هذا السياق، تكتسب تجربة UNICEF في المغرب أهمية خاصة، ليس لأنها تقدم نموذجاً جاهزاً ينبغي نسخه على المستوى الوطني، وإنما لأنها تقدم مثالاً مغربياً على ما يمكن أن تنتجه المقاربة متعددة الفاعلين عندما توضع الوقاية من الهدر المدرسي في إطار شراكة محلية.

فالتقرير الذي أصدرته UNICEF في دجنبر 2025 بعنوان:

« Modèle innovant de lutte contre l’abandon scolaire – Capitalisation des bonnes pratiques centrées sur les filles rurales »

يقدم تجربة قائمة على الشراكة المحلية، ويعمل على توثيق شبكة الفاعلين، وآليات التنفيذ، والممارسات الجيدة والتحديات، مع تقديم توصيات تتعلق باستدامة النموذج ومأسسته.

ان الدلالة المهمة التي يمكن استخلاصها هنا هي انالوقاية من الهدر لا تُختزل في تدخل المدرسة وحدها، وإنما تستدعي تعبئة الأسرة والفاعلين المحليين والشركاء والمؤسسات المعنية، وتنسيق تدخلاتهم حول حاجات التلميذ.

وهو ما يجعل، في نظرنا، هذه التجربة مفيدة للنقاش الوطني لاستخلاص ممارسات جيدة يمكن أن تغذي سياسة وطنية قائمة على الالتقائية والمأسسة.

إن التحدي الحقيقي الذي يواجه الحكومة الجديدة أعمق بكثير من مجرد خفض أرقام الهدر المدرسي أو القضاء عليه نهائياً؛ إنه، بكل وضوح، تحدي تنظيم الاستجابة الحكومية نفسها.

فلا يمكن أن تكون لدينا وزارة تنظر إلى النقل المدرسي من زاوية، ووزارة أخرى تدبر الحماية الاجتماعية من زاوية ثانية، وقطاع صحي من زاوية ثالثة، والجماعات الترابية من زاوية رابعة، بينما يصل الطفل في النهاية إلى لحظة الانقطاع دون أن تلتقي هذه التدخلات حول وضعه ومساره الدراسي.

إننا في حاجة إلى أن يصبح التلميذ المهدد بالانقطاع وحدةً للتدخل الحكومي، لا مجرد ملف داخل المؤسسة التعليمية. وهنا يمكن للجنة الوطنية، في إطار اختصاصاتها القائمة، أن تكون فضاءً مناسباً لتحديد المسؤوليات المشتركة، وتتبع تنفيذها، وقياس أثرها، وربط مختلف البرامج القطاعية بهدف واحد هو "إبقاء الطفل في المدرسة".

لقد رآكم المغرب خلال السنوات الماضية عدداً من البرامج والتجارب في مجال الوقاية من الهدر وإعادة الإدماج والدعم الاجتماعي والتربوي. كما أن تجربة UNICEF أضافت إلى هذه التراكمات ممارسات ميدانية جديرة بالدراسة. لكن التحدي لم يعد بالضرورة في إنتاج المزيد من البرامج أو إنشاء مؤسسات جديدة، وإنما المطلوب اليوم أن تعمل المؤسسات القائمة بمنطق أكثر التقاءً وتعاضداً.

ومن هنا، فإن التعهد بالوصول إلى "صفر هدر مدرسي" يمكن أن يتحول إلى فرصة لإعادة الاعتبار للمنطق الذي قام عليه القانون-الإطار 51.17: منطق المنظومة، والإلتقائية، والتكامل بين السياسات العمومية.

ولعل أفضل ما يمكن أن تبدأ به الحكومة في هذا الاتجاه هو إعطاء اللجنة الوطنية لتتبع ومواكبة إصلاح منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي المكانة والانتظام والفعالية التي يفترضها الدور الذي أسنده إليها القانون-الإطار.

فإذا كان "صفر هدر مدرسي" هو الهدف المعلن، فإن بلوغه سيحتاج، قبل أي شيء آخر، إلى ألا تظل الاستجابة الحكومية موزعة بين قطاعات تعمل كل واحدة منها بمنطقها الخاص.

فقد يكون الوصول إلى صفر هدر مدرسي هدفاً تربوياً نبيلا؛ لكن تحقيقه لن يكون إلا بعمل حكومي بمنطق المنظومة.