ليست قيمة النقاش العمومي في حجم ما يكشفه من أسرار شخصية. بل في قدرته على مساءلة المسؤولين عن قراراتهم وسياساتهم وأدائهم. من دون أن يتحول إلى محاكمة للحياة الخاصة أو إلى وسيلة لإنتاج الأحكام المسبقة. ومن هذه الزاوية تحديداً، يكتسب الجدل الذي رافق تداول ادعاءات بشأن وثيقة طبية قديمة منسوبة إلى ماديحة خيير. الوزيرة المنتدبة المكلفة بالتكوين المهني والتأهيل. أهمية تتجاوز الشخص المعني. لتطرح أسئلة أعمق حول أخلاقيات التنافس السياسي. وحدود الحق في النشر. وموقع الصحة النفسية في الوعي المجتمعي.
فبالتزامن مع تعيين ماديحة خيير ضمن الحكومة الجديدة في 16 أكتوبر 2026. تداولت منصات التواصل الاجتماعي ادعاءات بشأن وثيقة قيل إنها تعود إلى يونيو 2004 وتتصل بمعطيات صحية شخصية. وحتى تتوافر أدلة مستقلة وموثوقة. تظل أصالة الوثيقة ومضامينها وسياقاتها أموراً لا يصح التعامل معها باعتبارها حقائق محسومة. ذلك أن انتشار معلومة على نطاق واسع لا يمنحها تلقائياً صفة الحقيقة. كما أن تداول وثيقة منسوبة إلى شخص لا يكفي وحده لإثبات صحتها أو تحديد الغرض من إعدادها أو نشرها.
غير أن أهمية القضية لا تتوقف على حسم هذه التفاصيل. بل تمتد إلى السؤال الذي تثيره: ما الذي يجعل التاريخ الصحي الخاص لأي إنسان مادة تستحق التداول العام. وما المصلحة التي يحققها كشفه إذا لم تكن هناك صلة واضحة ومثبتة بينه وبين مسؤوليات صاحبه الراهنة؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تستدعي التمييز بين حق المجتمع في مساءلة المسؤول العمومي. وهو حق أساسي في الحياة الديمقراطية. وبين تحويل الخصوصية الشخصية إلى مادة للتجريح أو التشكيك المجاني.
لا يعني الدفاع عن الخصوصية منح المسؤولين حصانة من النقد. ولا يعني احترام الحياة الشخصية تعطيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة. على العكس. فإن النقد السياسي الجاد يكتسب مشروعيته من استناده إلى الوقائع والحجج والنتائج. بينما يفقد قيمته حين يستبدل مناقشة السياسات بالنبش في المعطيات الشخصية التي لا تثبت صلتها بالمصلحة العامة. فالمساءلة ليست مرادفاً للتشهير، والشفافية لا تعني إلغاء الحدود الفاصلة بين الشأن العام والحياة الخاصة.
وتزداد هذه المسألة حساسية عندما يتعلق الأمر بالصحة النفسية. التي ما زالت محاطة في بعض الأوساط الاجتماعية بأحكام مسبقة تختزل الإنسان في تجربة صحية أو فترة علاج أو معاناة عابرة. والحقيقة أن المرض النفسي. مثل المرض الجسدي. لا يشكل وصمة عار. ولا يصلح بمفرده معياراً للحكم على الكفاءة أو النزاهة أو القدرة على العمل. كما أن وجود وثيقة طبية قديمة. حتى إذا ثبتت صحتها. لا يسمح باستخلاص استنتاجات تلقائية بشأن الحالة الصحية الراهنة لصاحبها أو أهليته المهنية والسياسية.
إن اختزال مسار إنسان في معطى صحي مفترض لا يسيء إلى الشخص المعني وحده. بل يبعث برسالة مقلقة إلى كل من يمر بأزمة نفسية أو يحتاج إلى العلاج: أن الاعتراف بالمعاناة قد يتحول يوماً إلى مادة للإدانة الاجتماعية. وهذا ما يتعارض مع أي مسعى جاد لترسيخ ثقافة الصحة النفسية. وتشجيع طلب المساعدة المتخصصة. وتحرير المجتمع من الخلط بين المرض والضعف. وبين العلاج والانتقاص من الكرامة الإنسانية.
وفي الحالة المعنية. لا ينبغي أن يتحول الجدل حول الوثيقة المتداولة إلى حكم مسبق على ماديحة خيير. لا بالإدانة ولا بالتبرئة من وقائع لم تثبت بعد. فالموقف المهني والأخلاقي السليم يبدأ من احترام قرينة الحقيقة. والتحقق من المعطيات. والامتناع عن إعادة إنتاج الادعاءات في صورة أخبار مؤكدة. كما يقتضي ألا يُستخدم الدفاع عن الوزيرة لإغلاق باب النقد المشروع. بل لإعادة النقاش إلى معاييره الصحيحة: ما الذي يمكن إثباته؟ وما الذي يخدم المصلحة العامة؟ وأين تنتهي مشروعية النشر لتبدأ مسؤولية حماية الخصوصية؟
ويكتسي هذا النقاش بعداً قانونياً واضحاً في المغرب. فالفصل 24 من الدستور يضمن لكل شخص الحق في حماية حياته الخاصة، فيما ينظم القانون رقم 09.08 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي شروط التعامل مع هذه البيانات. بما فيها المعطيات الصحية التي تستوجب حماية خاصة. غير أن تنزيل هذه المقتضيات على واقعة بعينها يظل رهيناً بتحديد طبيعة المعطيات، وكيفية الحصول عليها ومعالجتها ونشرها. والظروف المحيطة بذلك. والنصوص القانونية المنطبقة. لذلك لا يصح الجزم بوقوع جريمة أو نسبة مسؤولية جنائية إلى جهة محددة من دون أدلة كافية وتقييم قانوني للوقائع.
ومن هنا تبرز أيضاً مسؤولية الإعلام. فالصحافة ليست مجرد ناقل لما يتصدر منصات التواصل الاجتماعي. بل مؤسسة يفترض أن تتحقق من المعلومات. وتختبر مصداقية المصادر. وتوازن بين حق الجمهور في المعرفة وحق الأفراد في الخصوصية. ولا يكفي أن تكون المعلومة مثيرة للاهتمام حتى تصبح جديرة بالنشر؟ إذ ينبغي أن تكون لها قيمة إخبارية حقيقية. وأن يكون نشرها مبرراً بالمصلحة العامة. لا بمجرد الفضول أو الرغبة في رفع نسب المشاهدة والتفاعل.
كما أن توصيف الواقعة بأنها حملة منظمة أو تصفية حسابات سياسية يظل بدوره بحاجة إلى أدلة مستقلة. فالمهنية تقتضي ألا نواجه ادعاءً غير مثبت بادعاء آخر غير مثبت، وألا نستبدل التشهير المضاد بخطاب يدافع عن الكرامة. إن قوة الموقف الأخلاقي لا تأتي من المبالغة في الاتهام. بل من الالتزام بالمعايير نفسها التي نطالب الآخرين باحترامها.
أما ماديحة خيير. فإن مسؤوليتها الأساسية. بصفتها عضواً في الحكومة، ستظل مرتبطة بما ستقدمه من عمل في قطاع التكوين المهني والتأهيل. وبمدى قدرتها على تطوير جودة التكوين. وتعزيز ملاءمة برامجه مع حاجيات سوق الشغل. وتحسين فرص إدماج الشباب في الحياة المهنية. وهذه هي المساحة التي ينبغي أن يتجه إليها النقاش العمومي: تقييم البرامج والقرارات والنتائج، ومساءلة المسؤولة عن التزاماتها. بعيداً عن تحويل حياتها الخاصة إلى موضوع لمحاكمة اجتماعية.
إن الدفاع عن الكرامة الإنسانية لا يتطلب معرفة التفاصيل الصحية للأشخاص. بل احترام حقهم في ألا تتحول تلك التفاصيل إلى أداة للإقصاء. كما أن الديمقراطية لا تقوى بكشف الخصوصيات لذاتها. وإنما بوجود إعلام مسؤول، ونقاش سياسي يستند إلى الأدلة، ومجتمع يرفض الوصم من دون أن يتخلى عن حقه في المساءلة.
في النهاية. ليست المسألة دفاعاً عن شخصية سياسية بعينها بقدر ما هي دفاع عن مبدأ ينبغي أن يسري على الجميع، مسؤولين ومواطنين: لا يجوز أن يحل التاريخ الصحي محل تقييم الأداء. ولا أن يتحول الاختلاف السياسي إلى مبرر للمساس بالكرامة. ولا أن تُعامل المزاعم المتداولة باعتبارها حقائق قبل التحقق منها. فالمسؤول العمومي يُسأل عما ينجزه. والصحافة تُقاس بمدى التزامها بالحقيقة. والمجتمع يُختبر في قدرته على الجمع بين حقه في المعرفة واحترامه للإنسان.
ذلك هو الفارق بين نقد سياسي يخدم المصلحة العامة. وتشهير لا يضيف إلى النقاش العمومي معرفة. ولا يترك وراءه سوى تعميق الأحكام المسبقة وإضعاف الثقة في أخلاقيات المجال العام.






