قضايا

يا رئيسة الحكومة لا تعتدوا على الدستور

عمر الشرقاوي (أستاذ جامعي)

يطرح إقدام الحكومة المعينة على إحالة مشروع قانون المالية لسنة 2027 إلى مجلس النواب اليوم، قبل استكمال مسطرة تنصيبها البرلماني، إشكالية دستورية دقيقة تتجاوز في أبعادها مجرد احترام الآجال القانونية لإيداع المشروع القانون المالي كما هو محدد في القانون التنظيمي للمالية، لتلامس جوهر العلاقة بين الشرعية الدستورية والشرعية البرلمانية، وحدود الاختصاصات التي يجوز للحكومة المعينة ممارستها قبل حصولها على ثقة مجلس النواب، فضلا عن طبيعة الإحالة، وما إذا كانت مجرد إجراء شكلي لا يرتب آثاراً قانونية مستقلة، أم تصرفاً دستورياً جوهرياً يعبر عن ممارسة الحكومة لسلطتها في المبادرة التشريعية.


وتكتسي هذه الإشكالية أهمية استثنائية بالنظر إلى تزامن انتهاء الأجل المحدد لإيداع مشروع قانون المالية، في 20 أكتوبر 2026، مع عدم استكمال الحكومة الجديدة لمسطرة التنصيب البرلماني المنصوص عليها في الفصل 88 من الدستور. وهو سياق يضعنا أمام تعارض ظاهري بين مقتضيين دستوريين وقانونيين، أولهما يتعلق بضرورة استكمال الشرعية البرلمانية للحكومة قبل ممارستها الكاملة لاختصاصاتها السياسية والتشريعية، وثانيهما يتعلق بوجوب احترام الأجل الذي حدده القانون التنظيمي للمالية لإيداع مشروع المالية.


والسؤال هنا لا يتعلق بما إذا كانت الحكومة موجودة دستوريا قبل التنصيب، فوجودها ثابت بمجرد تعيينها، وإنما يتعلق بمدى أهليتها لممارسة سلطة المبادرة التشريعية في المجال المالي، وهي سلطة لا تنفصل عن البرنامج الحكومي وعن المسؤولية السياسية أمام البرلمان.

ولعل النص الأكثر حسماً في معالجة هذه الإشكالية هو القانون التنظيمي رقم 065.13 المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة والوضع القانوني لأعضائها، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.15.33 بتاريخ 19 مارس 2015، وخاصة المواد 36 و37 و38 منه.


ولاشك أن المادة 38، وهي الأشد اتصالاً بالوضعية الدستورية الراهنة، فقد حددت على سبيل التعيين المهام التي تمارسها الحكومة الجديدة المعينة قبل تنصيبها البرلماني، والمتمثلة في إعداد البرنامج الحكومي الذي يعتزم رئيس الحكومة عرضه أمام البرلمان، وإصدار قرارات تفويض الاختصاص أو الإمضاء اللازمة لضمان استمرارية المرافق العمومية، وممارسة الصلاحيات المشار إليها في الفقرة الأولى من المادة 37 إلى حين تنصيبها.


فالقانون التنظيمي لم يمنح الحكومة الجديدة قبل التنصيب سلطة عامة في التصرف، وإنما أجاز لها ممارسة الأعمال الضرورية لضمان الاستمرارية الإدارية والمؤسساتية، مع إبقاء الأعمال ذات الطبيعة السياسية والتشريعية الجوهرية خارج النطاق العادي لاختصاصاتها.

وعليه، فإن احالة مشروع قانون المالية على البرلمان لا يمكن اعتبارهما تلقائيا من أعمال تصريف الأمور الجارية، لمجرد ارتباط المشروع بانتظام سير الدولة. فهناك فرق قانوني جوهري بين ضمان استمرار تنفيذ الميزانية القائمة وبين تبني مشروع ميزانية جديدة يتضمن اختيارات ضريبية ونفقات عمومية وتوجهات اقتصادية واجتماعية والتزامات مالية تتجاوز الفترة الانتقالية للحكومة.

ان مسطرة الايداع ليست عملية نقل مشروع القانون بتقاريره المرفقة من مقر رئاسة الحكومة إلى أمانة مجلس النواب، بل هو اجراء دستوري يرتب آثارا قانونية وهو ما نصت عليه المادة 49 من القانون التنظيمي للمالية التي تجعل تاريخ الإيداع نقطة انطلاق أجل الثلاثين يوماً الممنوح لمجلس النواب للبت في المشروع، قبل انتقاله إلى مجلس المستشارين الذي يتوفر على أجل اثنين وعشرين يوماً، ثم عودته إلى مجلس النواب للبت النهائي داخل أجل ستة أيام.

فهو إذن ينقل المشروع من مجال التحضير الحكومي إلى مجال التداول البرلماني، ويفتح آجالاً قانونية، ويضع البرلمان أمام مبادرة تشريعية رسمية، ويجعل الحكومة في موقع الدفاع عن اختياراتها المالية وتبريرها أمام ممثلي الأمة.

وهنا تظهر محدودية التمييز الذي أقامته الحكومة بين الإيداع والمناقشة، بدعوى إمكان إيداع المشروع قبل التنصيب وتأجيل مناقشته إلى ما بعد حصول الحكومة على الثقة. 

فهذا التمييز، وإن كان ممكناً من حيث التنظيم الزمني للأشغال البرلمانية، لا يحل الإشكال المتعلق بأهلية الحكومة لممارسة المبادرة التشريعية أصلا.

بل إن اعتبار الإيداع مجرد عمل تحضيري يفضي إلى نتيجة يصعب الدفاع عنها دستوريا، وهي إمكان تقديم وزير المالية مشروع قانون المالية أمام البرلمان ومناقشة أحكامه والدفاع عن اختياراته، في الوقت الذي لم تحصل فيه الحكومة التي ينتمي إليها على الثقة البرلمانية.

فإذا جاز للحكومة غير المنصبة إيداع المشروع باعتباره إجراء تحضيريا، فما المعيار القانوني الذي يمنع وزير المالية من تقديمه أمام الجلسة المشتركة وأمام لجنة المالية؟ وإذا جاز تقديمه، فما الذي يمنع الشروع في مناقشته قبل التنصيب مادام الأمر يتعلق بالأعمال التحضيرية؟ وإذا انطلقت المناقشة، فهل يمكن للوزير الدفاع عن التدابير الضريبية والاعتمادات المالية وتقديم التعديلات الحكومية قبل أن يحسم مجلس النواب في الثقة الممنوحة للبرنامج الحكومي؟

إن هذا التسلسل يكشف أن اختزال الإيداع في مجرد عمل تحضيري قد يؤدي إلى إفراغ التنصيب البرلماني من جانب من مضمونه الدستوري الديمقراطي، لأن الحكومة ستكون قد باشرت بالفعل إحدى أهم وظائفها السياسية والتشريعية قبل أن يقرر مجلس النواب منحها الثقة وربما في مصيرها.

وتزداد هذه المفارقة وضوحاً بالنظر إلى الطبيعة السياسية لقانون المالية. فهذا القانون ليس مجرد وثيقة محاسبية تتضمن توقعات المداخيل والنفقات، وإنما هو التعبير المالي السنوي عن الاختيارات الحكومية، والأداة الأساسية لترجمة الأولويات الاقتصادية والاجتماعية للبرنامج الحكومي إلى اعتمادات وتدابير ضريبية والتزامات مالية.

ولا يمكن منطقياً أن يُطلب من البرلمان الشروع في دراسة التعبير المالي لبرنامج حكومي لم يوافق بعد على البرنامج نفسه، أو أن يمارس رقابته على اختيارات حكومة لم تستكمل بعد شرط تحمل المسؤولية السياسية أمامه.


والأكثر أهمية أن التعارض بين أجل الإيداع ومسطرة التنصيب ليس تعارضا بين قاعدتين متساويتين في المرتبة. فشرط التنصيب يستند مباشرة إلى الفصل 88 من الدستور، بينما يستمد تاريخ 20 أكتوبر إلزاميته من المادة 48 من القانون التنظيمي رقم 130.13، الصادر تطبيقاً للفصل 75 من الدستور.

وهذا التمييز أساسي، لأن الدستور لم يحدد بنفسه يوم 20 أكتوبر تاريخاً للإيداع، وإنما أحال على القانون التنظيمي لتحديد شروط المسطرة المالية. ومن ثم، فإن التاريخ المذكور، على أهميته وإلزاميته، لا يتمتع بالمرتبة المعيارية نفسها التي يتمتع بها شرط التنصيب البرلماني.

ولا يعني ذلك أن الأجل التنظيمي اختياري أو أن الحكومة تستطيع تجاوزه دون مبرر، بل يعني أن احترامه ينبغي أن يتم في إطار القواعد الدستورية الأعلى مرتبة، وليس عن طريق تأويل يؤدي إلى إضعاف شرط دستوري صريح.


وبناء على ذلك، فإن انتظار التنصيب البرلماني قبل الإيداع يبدو أكثر اتساقاً مع البناء الدستوري المغربي، حتى وإن أدى إلى تجاوز محدود لأجل 20 أكتوبر، شريطة ألا يتحول التأخير إلى وسيلة لتعطيل المسطرة المالية أو المساس بحق البرلمان في دراسة المشروع والتصويت عليه.

وتتأكد رجاحة هذا الترجيح إذا استحضرنا أن المادة 48 من القانون التنظيمي لقانون المالية، رغم إلزاميتها، لا ترتب جزاء صريحاً يقضي ببطلان المشروع لمجرد إيداعه بعد التاريخ المحدد. كما أن النص لا يتضمن مقتضى يقضي بسقوط سلطة الحكومة في تقديم المشروع بمجرد انقضاء يوم 20 أكتوبر.