عندما تدخل إلى عالم السياسة، وتمارسها واضعا نصب عينيك طموح الوصول إلى منصب وزير، وهو أرفع ما يمكن أن يصله المرء من مناصب الدنيا، عليك أن تتحمّل، وأن تحمّل وتتحمّل وتحمّل.
وألا تشتكي إن تعرضت للضربات.
لأنك أنت من بحث عنها.
نعم.
أحيانا، قد تحقق طموحك وأنت جالس مرتاح فوق أريكة إن كانت لديك ركيزة قوية تستند عليها.
لكن أحيانا، قد تدور عليك الدوائر ويتكالب عليك الوقت، وقد تكون الفاتورة غالية.
سنة 1993 كان هناك رجل اسمه بيير بيريغوفوا Pierre Bérégovoy من الحزب الاشتراكي الفرنسي يشغل منصب رئيس وزراء في الفترة التي كان فيها فرانسوا ميتيران من الحزب نفسه رئيسا للجمهورية.
بيير بيريغوفوا، قبل أن يصبح رئيسا للوزراء كان قد شغل منصب وزير الاقتصاد والمالية سابقا.
وكان رجلا ينحدر من أصول عمالية متواضعة..
وفي فاتح ماي من كل سنة، كان يلتقي بالنقابات والعمال في دائرته الانتخابية بمدينة "نيفير" Nevers بمناسبة اليوم العالمي للشغل.
في تلك الفترة، كان حزبه الاشتراكي قد تعرض لهزيمة ساحقة في الانتخابات التشريعية، وتزامنت هزيمة حزبه مع حملة إعلامية شرسة قادتها الصحافة ضده، خاصة صحيفة Le Canard enchaîné، حيث تم اتهامه بالمحسوبية وشبهات الفساد، على إثر حصوله على قرض مالي بدون فوائد من أحد رجال الأعمال المقربين من الرئاسة لشراء شقة.
في 1 ماي 1993، شارك بيير بيريغوفوا في لقاءات عيد العمال، في مدينته Nevers التي كان يشغل فيها منصب عمدة منذ سنة 1983 بالتوازي مع منصب رئيس الوزراء، لكن تعالت أصوات العمال ضده مطالبة إياه بالتنحي من منصبه، ورُفعت شعارات في التظاهرة العمالية بمدينته تتهمه بالفساد.
عندما سمع بيير بيريغوفوا الشعارات تتعالى في التظاهرة العمالية بمدينته تتهمه بالفساد والمحسوبية، ركب سيارته رفقة حارسه، وطلب من سائقه الشخصي أن يأخذه إلى ضفة إحدى القنوات المائية في المدينة، تُعرف باسم قناة جونكسيون Canal de la Jonction.
عندما وصل بيير بيريغوفوا إلى ضفة القناة، طلب من حارسه أن يعطيه مسدسه، فأعطاه إياه.
خرج بيير بيريغوفوا من السيارة حاملا مسدس حارسه، ووقف بجانب القناة المائية، وأطلق رصاصة على رأسه، فسقط صريعا.
لقد كانت الفاتورة باهظة، وهي فاتورة يتذكرها أبناء جيلي أنا الذين كنا نؤمن حينها بالفكر الشيوعي والتروتسكي والماركسي واللينيني وبكل الخلطات الفكرية اليسارية، وفي نقاشاتنا التي كنا نحاول أن نبدو فيها مناضلين طبقيين ومثقفين عضويين، كنا نستشهد بكتاب "رأس المال" لكارل ماركس رغم أننا كنا ما فاهمين فيه حتى زفتة.
وهذا ما كان.






