سياسة واقتصاد

قانون وُلد ميتا...

مصطفى الفن ( صحفي)
دعونا نذكر بواقعة مثيرة كشفها تقرير للمجلس الأعلى للحسابات سنة 2022 إذا لم تخنني الذاكرة..


وجاء في هذا التقرير الذي رفعته زينب العدوي إلى أعلى سلطة في البلد أن أربعة برلمانيين من مجلس النواب المغربي "تمردوا" و"رفضوا" التصريح بممتلكاتهم ضدا على القانون..


لكن ماذا وقع لهؤلاء البرلمانيين الأربعة بعد هذا "الرفض" وبعد هذا "التمرد" على القانون؟


لا شيء وقع في ملك الله على الإطلاق..


كل ما في الأمر أن رئاسة المجلس الأعلى للحسابات بعثت إلى هؤلاء البرلمانيين "المتمردين" "إنذارات" شكلية تدعوهم وترجوهم، من جديد، إلى التصريح بممتلكاتهم لا غير..


بل إن رئاسة المجلس الأعلى للحسابات راسلت حتى رئاسة مجلس النواب لتتوسل إلى هؤلاء البرلمانيين لعلهم يصرحون بممتلكاتهم..


وظني أن هؤلاء البرلمانيين فعلوا خيرا عندما رفضوا التصريح بممتلكاتهم وأعلنوا "تمردهم" على هذا القانون الذي يلزم ذلك..


لماذا؟


لأنه ما جدوى التصريح بالممتلكات إذا كان القانون لا يفرض أي عقوبة ولا يصادر أموال الذين اغتنوا في ظروف غامضة بعد تولي المسؤولية.؟..


وليس هولاء البرلمانيون الأربعة وحدهم من رفضوا التصريح بممتلكاتهم بحسب تقرير المجلس الأعلى للحسابات..


ملزمون كثر من مؤسسات عمومية أخرى رفضوا هم أيضا التصريح بممتلكاتهم..


والسبب هو أن القانون "مسامح كريم" ولا يفرض أي عقوبة على المخالفين أو الذين راكموا أموالا دون أن يتمكنوا من تبريرها..


وهذا في حد ذاته ثقب قانوني خطير "يشجع" على الإثراء غير المشروع وربما "يشجع" حتى على مأسسته أيضا..


ولا بد من التذكير هنا بأن وزير الدولة مصطفى الرميد في حكومة العثماني انتبه إلى هذا الثقب القانوني الذي تتسرب منه كل الآفات..


بل إن الرميد حينها سارع إلى اقتراح مقتضيات في القانون الجنائي عنوانها العريض هو تجريم الإثراء غير المشروع..


وطبعا هذا هو المفروض والطبيعي إذا ما أردنا أن يصبح للتصريح بالممتلكات معنى..


وفعلا فقد تضمنت النسخة الأولى من قانون الإثراء غير المشروع عقوبات سالبة للحرية..


إنها عقوبات ابتدأت بثلاث سنوات حبسا نافذا قبل أن ترفع هذه العقوبة إلى خمس سنوات سجنا نافذا..


أكثر من هذا، لقد تم إرفاق هذه العقوبات السالبة للحرية بعقوبات أخرى تقضي بمصادرة الأموال مع الغرامة..


لكن عندما طرح هذا القانون داخل مجلس حكومي "عاصف" فإن الذي "انتفض" ضده ليس إلا وزير الفلاحة آنذاك والذي ليس إلا السيد عزيز أخنوش الذي أصبح اليوم رئيس حكومة سابقا..


وجاءت "انتفاضة" وزيرنا في الفلاحة وقتها السيد أخنوش على هذا الشكل:


"هذا لا ينبغي أن يمر.."..


وعندما سئل ولد أحمد أولحاج عن السبب فقد كان الجواب جاهزة: "إذا مر هذا القانون فسيتم استغلاله بطريقة انتقائية لتصفية الحسابات مع الخصوم.."..


وهكذا وُلد هذا القانون ميتا..


بل أجريت عليه "حمية" أفرغته من محتواه وظل "مهملا" بقبة البرلمان قبل أن يتم سحبه مع مجيء حكومة 8 شتنبر..


لكن ها هي حكومة فاطمة الزهراء المنصوري تتعهد اليوم، في البرنامج الحكومي، بإخراج قانون تجريم الإثراء غير المشروع إلى النور..


وهذه "شجاعة سياسية" تحسب لابنة الباشا.. 


لماذا؟..


لأن "الثراء" في المغرب، مثلما يقول الصحافي بوبكر الجامعي، هو "قرار سياسي" في المقام الأول وليس كدا وسعاية وجهودا يبذلها هذا "الغني" أو ذاك..


وفعلا، لدينا أثرياء كثر أغتتهم الدولة ولم يغتنوا من عرق جبينهم..


صفريوي الضحى نموذجا..


كما أن تفعيل هذا القانون وتنزيله ب"طريقة غير انتقائية، بتعبير السيد أخنوش، معناه أن 95 في المائة من الأثرياء في البلد سيجدون أنفسهم وراء القضبان..


و95 في المائة من الأثرياء سيتم "تتريكهم" وسيقضون ربما ما تبقى من حياتهم "شبه مشردين" في الأرض..