سياسة واقتصاد

التصريح الحكومي.. كلام منمق وواقع لا يرحم!

إبراهيم حيمي

إذا تأملنا ملياً في مضامين التصريح الحكومي الذي قدمته رئيسة الحكومة، وتمعنا في فصوله وما بين سطوره،سنكتشف بسهولة أننا أمام خطاب سياسي مناسباتي، أُعِد سلفاً ليقال في مناسبة دستورية، أكثر مما أُعِدَّ ليكون تعاقداً سياسياً واجتماعياً حقيقياً مع المغاربة. لن أنشغل بطريقة الإلقاء، ولا بالأخطاء اللغوية أو الإملائية التي توقف عندها البعض، لأن جوهر المشكلة لا يكمن في شكل الخطاب، بل في مضمونه، وفي ما أخفاه أكثر مما أعلنه. أين هي القضايا التي تؤرق المغاربة فعلاً؟ أين موقع أسعار المحروقات من هذا التصريح؟ ولماذا يستمر الصمت عن ملف أصبح من أبرز مداخل الغلاء وارتفاع تكاليف النقل والإنتاج والمعيشة، بما يثقل كاهل الأسر المغربية ويستنزف قدرتها الشرائية؟ إن مواجهة الغلاء لا تبدأ بالشعارات البراقة والوعود الفضفاضة، بل بمعالجة أسبابه الحقيقية، وفي مقدمتها اختلالات سوق المحروقات، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وحماية المواطنين من جشع المضاربين وتغوّل المصالح الاقتصادية.

لقد أغرقنا التصريح في عناوين كبيرة ووعود واسعة، لكنه لم يقدم، بالوضوح والجرأة المطلوبين، ما يقنع المواطن بأن حياته اليومية ستشهد تغييراً ملموساً. فالمغاربة لا يحتاجون إلى مزيد من الكلام الذي يلامس آمالهم عاطفياً، بل إلى إجراءات آنية وقابلة للقياس، تخفف الغلاء وتحسن الصحة والتعليم والشغل والسكن، وتصون كرامة المواطن.

أما الحديث عن التنمية والإصلاح والدولة الاجتماعية، فيظل مجرد كلام جميل ما لم يُقرن ببرنامج واضح، وآجال محددة، وآليات للمراقبة والمحاسبة، وإرادة سياسية حقيقية لقطع الطريق على الفساد وتضارب المصالح واستغلال النفوذ، ومحاسبة كل من ثبت تورطه في هدر المال العام، أياً كان موقعه أو اسمه.

إن كرامة المواطن لا تتحقق بالخطب، بل بالحقوق والعدالة والإنصاف. ولا يمكن بناء الثقة في المؤسسات دون إصلاح سياسي ومؤسساتي عميق، ومراجعة القوانين التي تعيق ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتعزيز استقلالية المؤسسات الرقابية والقضائية، بما يضمن ألا يبقى القانون صارماً مع الضعفاء ومتساهلاً مع أصحاب النفوذ.

لكن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هو: هل تملك هذه الحكومة الإرادة السياسية لمراجعة الاختلالات التي أنتجت هذا الواقع، أم أن الأمر يتجاوز حدود تصريح حكومي، بل وحدود الأشخاص الذين يقودونها، ليصل إلى ضرورة مراجعة أعمق لقواعد اللعبة السياسية والدستورية ذاتها؟ الخلاصة: ليس المهم أن يكون التصريح الحكومي جميلاً في صياغته، ولا أن يكون طويلاً في فصوله، بل أن يكون صادقاً في التزاماته، واضحاً في أولوياته، جريئاً في مواجهة الفساد، وملموساً في أثره على حياة المغاربة. أما إذا ظل الواقع كما هو، واستمرت الوعود في وادٍ ومعاناة المواطنين في وادٍ آخر، فلن يكون هذا التصريح سوى كلام الليل الذي يمحوه النهار، بينما يظل المواطن وحده في مواجهة واقع عنيد لا تغيّره البلاغة ولا تخفيه الشعارات.