لا تُختبر وحدة الحكومة بمجرد اتفاق مكوناتها على التصويت لفائدة برنامجها، بل بمدى اشتراكها في إنتاج اختياراته، وامتلاك وسائل تنفيذه، وتحمل المسؤولية عن نتائجه. ومن هذه الزاوية، تطرح قراءة التصريح الحكومي سؤالاً يتجاوز مضمون الوعود إلى شروط إنتاجها: مَن يتكلم في هذا التصريح؟ وباسم أية إرادة سياسية؟ وكيف تتوزع سلطة القرار داخل الحكومة التي تلتزم به؟
تتداخل في الخطاب الحكومي مرجعيات متعددة: التوجيهات الاستراتيجية للدولة، وبرامج الأحزاب المشاركة، والتسويات التي أفضت إلى تشكيل الأغلبية، ثم الاختيارات التي تتحمل رئيسة الحكومة وفريقها مسؤولية بلورتها. وتقتضي القراءة النقدية والإبستمولوجية تمييز هذه المستويات، وفحص العلاقة بينها، حتى تتضح مصادر الاختيار وحدود المبادرة ومواقع المسؤولية.
هل يعبر التصريح عن مشروع تفاوضت بشأنه مكونات التحالف، أم عن برنامج تقوده رئيسة الحكومة وتلتحق به الأحزاب الشريكة؟ وما موقع تنفيذ توجيهات الدولة، في شخص رئيسها، ضمن هذا البناء؟ وكيف يمكن تمييز التوجهات الاستراتيجية المؤطرة للعمل الحكومي عن الاختيارات التي تملك الحكومة بشأنها هامش التقدير والمبادرة؟
فالاستناد إلى التوجيهات لا يعفي الحكومة من بيان إضافتها السياسية والتدبيرية ؛ وتبقى مسؤولة عن ترجمتها إلى أولويات وموارد وقرارات، وعن البدائل التي تعتمدها عند تعارض الحاجات أو محدودية الإمكانات. وكلما تعددت مرجعيات الخطاب، ازدادت الحاجة إلى وضوح المسؤولية، حتى يستطيع المواطن معرفة الجهة التي اختارت، والجهة التي نفذت، والجهة التي يتعين مساءلتها عن النتائج.
ويطرح هذا التداخل سؤال مصير البرامج الانتخابية للأحزاب الحكومية ؛ فالبرنامج الائتلافي يفترض تفاوضاً ينتج تسوية واضحة: ما الوعود التي احتُفظ بها؟ وما الذي عُدّل أو أُجّل؟ وما الذي جرى التخلي عنه، وبأي تعليل؟ إن بيان هذه التحولات يتيح للناخب تتبع الصلة بين صوته وبين السياسة التي تُنفَّذ باسمه، ويجعل التسوية الحكومية قابلة للفهم والمحاسبة.
وتزداد المسألة حدة، انطلاقاً من معطى استئثار الحزب المتصدر بالحقائب الاستراتيجية ؛ فالأمر يتعلق بتوزيع القدرة الفعلية على توجيه العمل الحكومي، والتحكم بالموارد والمعلومة والتحكيم. وتُقاس استراتيجية الحقيبة بامتداد أثرها إلى بقية القطاعات، وبقدرتها على توسيع خياراتها أو تقييدها.
إذا تركزت هذه السلطات لدى مكون حزبي واحد، فكيف تشارك بقية المكونات في صنع التوجه العام ؟ وهل تملك التأثير في القرارات التي ستُطالَب بالدفاع عنها ؟ وهل يجري التداول في الاختيارات الكبرى قبل اعتمادها، أم تتلقى الأحزاب الشريكة نتائج التحكيم لتتولى تسويغها سياسياً وبرلمانياً؟
هنا يظهر التوتر بين التضامن الحكومي والمسؤولية السياسية المشتركة ؛ فالتضامن يكتسب مضمونه حين يستند إلى المشاركة في القرار، وإتاحة المعلومة، وإمكان الاعتراض والتعديل. أما حين تتفاوت سلطة التأثير تفاوتاً واسعاً، بينما تتساوى المطالبة بتحمل النتائج، فإننا نكون أمام اختلال يحتاج إلى تفسير: سلطة مركزة ومسؤولية موزعة.
ولا يقتضي الانسجام تماثل الحقائب أو مساواة حسابية بين الأحزاب؛ فقد يجد تفاوتها تفسيره في الوزن الانتخابي والكفاءات والتسوية الائتلافية ؛ غير أن مشروعيته السياسية ترتبط بآليات تمنع تحوله إلى احتكار للتوجيه: تداول منتظم، وتحكيم واضح، ووصول إلى المعطيات، ومشاركة فعلية في إعداد القرارات ذات الأثر المشترك.
وفي المقابل، تتحمل الأحزاب المشاركة مسؤولية قبولها بشروط الائتلاف. فلا يستقيم أن تستفيد من موقعها الحكومي ثم تقدم نفسها، عند التعثر، باعتبارها منفذة لاختيارات غيرها ، ومشاركتها تلزمها بالدفاع عن مقترحاتها، وتوضيح حدود تأثيرها، واتخاذ موقف متماسك من الحصيلة. لذلك، تسائل المسؤولية المشتركة الطرف الذي يركز القرار، كما تسائل الشريك الذي يقبل تحمل نتائجه دون ضمان شروط المشاركة فيه.
ويتصل بذلك سؤال الكتلة الحاملة للمشروع الحكومي ؛ فالأغلبية البرلمانية توفر أصوات الإسناد، بينما يحتاج الإصلاح إلى قاعدة اجتماعية تثق في مقاصده وتشارك في بنائه. أي مصالح يجمعها البرنامج؟ ومن يتحمل كلفة اختياراته؟ وكيف يوفق بين متطلبات الاستثمار والحقوق الاجتماعية؟ وما موقع النقابات والهيئات المهنية والفاعلين المدنيين والشباب في تحديد أولوياته وتقييم آثاره؟
ويحمل مفهوم الكتلة، في السياق المغربي، حمولة تاريخية تستدعي مساءلة مصير مطالب الإصلاح والدمقرطة التي ارتبطت بتجربة الكتلة الديمقراطية ؛ وبقدر ما تُنسب مكونات في الأغلبية إلى امتدادات هذا الإرث، تتأكد مسؤوليتها عن بيان ما تحمله منه اليوم إلى ممارسة السلطة: ما الذي تحقق من مطالبه؟ وما الذي بقي معلقاً؟ وكيف تعيد وصل المشاركة الحكومية بالوعود التاريخية التي أسهمت في بناء مشروعيتها؟
من هنا تبرز ضرورة حفظ الذاكرة الوطنية باعتباره التزاماً سياسياً ورافعة للوحدة والثقة. فالانتساب إلى تجربة ديمقراطية يرتب واجباً تجاه ذاكرتها، وتجاه تضحيات فاعليها، وتجاه ما راكمته من مطالب الاعتراف والإنصاف والإصلاح. ويصبح السؤال مشروعاً: ماذا خصص التصريح الحكومي لحفظ هذه الذاكرة وإتاحتها ونقلها إلى الأجيال؟ وكيف جعلها مورداً لبناء المواطنة وتعزيز الانتماء المشترك؟
إن حفظ الذاكرة الوطنية يشمل صيانة الأرشيف وإتاحته، ودعم البحث والتوثيق، وحماية مواقع الذاكرة، وإدماج المعرفة التاريخية في التعليم والثقافة والإعلام. كما يشمل استكمال مسار الحقيقة والإنصاف، وتفعيل ضمانات عدم تكرار الانتهاكات الجسيمة، وتعزيز الحكامة الأمنية ومكافحة الإفلات من العقاب. وتحتاج هذه الالتزامات إلى مؤسسات وموارد وآجال ومسؤوليات قابلة للتقييم.
وتدعم الذاكرةُ الوحدةَ الوطنية حين تتيح للمواطنين التعرف إلى تعدد روافد تاريخهم، والاعتراف بمساهماتهم وآلامهم ضمن انتماء مشترك. فالذاكرة المنصفة توسع مساحة الاعتراف المتبادل، وتمنح الأجيال معرفة تساعدها على فهم التوترات وتجنب إعادة إنتاجها. أما الانتقاء الذي يُقصي التجارب المزعجة من السردية المشتركة، فقد يترك أسباب التباعد قائمة تحت مظهر الإجماع.
وتتعاظم مسؤولية الأحزاب ذات الصلة بالإرث الديمقراطي في هذا المجال. فكيف تستثمر رصيدها التاريخي دون أن تجعله التزاماً بالحفظ والإنصاف والإصلاح؟ وكيف تستدعي تضحيات الماضي لتعزيز مشروعيتها، ثم لا توضح موقع الذاكرة وضمانات عدم التكرار في أولوياتها الحكومية؟ إن الوفاء لهذا الإرث يُختبر بما ينتجه من سياسات وحقوق وضمانات في الحاضر ؛ ويكشف موضوع الذاكرة أيضاً الطبيعة النسقية للانسجام الحكومي. فهو يعبر اختصاصات الثقافة والتعليم والبحث والعدل وحقوق الإنسان والحكامة الأمنية، ويحتاج إلى تنسيق يتجاوز حدود الحقائب. وقد تبدو الحكومة منسجمة في توزيع المناصب، ثم ينكشف ضعف تعاونها عند معالجة قضية تتطلب رؤية مشتركة وقراراً متكاملاً. وينطبق ذلك كذلك على العدالة الاجتماعية وإصلاح الإدارة والتحول الرقمي.
لذلك، تفضي القراءة الإبستمولوجية النقدية للتصريح إلى ضرورة افتحاص الانسجام الحكومي: وذلك بفحص الصلة بين مرجعيات الخطاب ومصادر القرار، وبين البرامج الانتخابية والالتزامات المشتركة، وبين توزيع الحقائب وتوزيع سلطة التأثير، ثم بين هذه السلطة والمسؤولية السياسية. ويشمل هذا الافتحاص مدى وفاء مكونات الأغلبية لالتزاماتها التاريخية، وقدرتها على جعل حفظ الذاكرة دعامة للوحدة الوطنية والثقة في المستقبل.






