لم يكن المشهد في فرنسا هذا الشهر مشهد "عنف حضري" كما سمّته الحكومة، بل مشهد غضب تلاميذي سرعان ما التحق به الخاسرون. تسعة من كل عشرة موقوفين قاصرون، فتى في الخامسة عشرة فقد يده، ومن بين الشعارات شعار يختصر كل شيء: لا أحد يصغي إلينا. السؤال الذي يستحقّ أن يُطرح ليس من يحرّك هؤلاء المراهقين: اليسار المتطرف أم أبناء المهاجرين، بل، ماذا فعلنا بهم قبل أن يحرّكهم أحد؟
الجواب الذي لا تحبّ المنظومات التعليمية سماعه هو أنها منذ عقود حوّلت المدرسة من مكان يتعلّم فيه الإنسان كيف يعيش إلى حلبة يتعلّم فيها كيف يهزم غيره. منذ العام الدراسي الأول يُرتَّب التلميذ، ويُنقَّط، ويُصنَّف، ويُقال له إن مستقبله كلّه معلّق على المراتب الأولى. ليس غريبًا بعد ذلك أن ترتفع معدّلات القلق والأرق والاحتراق النفسي بين من لم يبلغوا العشرين؛ فالجسد لا يحتمل أن يعيش سنوات في وضعية سباق. علما بان عقلا يتعلم الخوف من الخسارة لا يتعلّم شيئًا سوى الخوف.
غير أن الضغط وحده لا يصنع الغضب. الناس يحتملون المشقّة حين يرون أنها عادلة. ما يصنع الغضب هو اكتشاف أن السباق ليس سباقًا واحدًا. فأبناء الأثرياء لا يركضون في المضمار نفسه: لهم مؤسساتهم العليا الخاصة التي تضمن لهم الفوز بجهد أقل، وضغط أقل، وتوتر أقل، ولهم فوق ذلك رأس المال الاجتماعي الذي يُورَّث كما تُورَّث العقارات. المنافسة الشرسة محجوزة لمن لا إرث له.
هذه ليست حالة فرنسية. فباستثناء المجتمعات الإسكندنافية، تتخذ النظم التعليمية طابعا تنافسيا بالغ الحدة. وفي بلادنا يعرف كل مغربي أن المدرسة العمومية التي يُقال له إنها مجانية، لا يرسل إليها أصحاب القرار أبناءهم، وأن البعثات الأجنبية والمدارس الخاصة المكلفة هي الطريق الأكثر سلاسة، بينما يُترك الباقون يتنافسون على فتات المقاعد. المنظومة واحدة والأسماء تختلف: مدرستان في بلد واحد، واحدة تُعِدّ للقيادة وأخرى تُعِدّ للتسابق على ما تبقّى.
الفلسفة، حين تكون فنًّا للعيش، لا تسأل كيف نُحسّن ترتيب التلميذ، بل تسأل ماذا يفعل الترتيب بالتلميذ. وهي تذكّرنا بأن المعرفة لم تكن في الأصل وسيلة للتفوّق على الآخرين، بل وسيلة للتفوّق على الجهل وعلى الخوف وعلى التعصب والكراهية. المدرسة التي تعلّم الطفل أن قيمته هي رقمه تنتج بالغين يقيسون كل شيء بالرقم، وتنتج في الطريق جيلًا يُحسّ بأنه مصنّف منذ الولادة في خانة الخاسرين. والخاسر الذي يعرف أن الخسارة قدره لا يبقى له سوى أن يكسر الحلبة.
لذلك لن يُطفئ غضب التلاميذ لا مزيدٌ من الشرطة ولا تخفيفٌ شكلي للامتحانات كما يقترح البعض. ما يُطفئه هو مدرسة تقيس نجاحها بمقدار ازدهار المتعلمين لا بمقدار فرزهم. وإلى أن يحدث ذلك، فإن الحرائق في فرنسا وغيرها تمثل جرس إنذار حقيقي، وقد يكون الأخير.






