قضايا

المنصوري تعد بتجريم الإثراء غير المشروع.. على مسمع من وهبي الذي حارب «البطولات الوهمية»؟

خالد أخازي ( روائي وإعلامي مستقل )
للذاكرة السياسية أحيانا وظيفة مزعجة للسياسي. فهي تفسد على على المسؤولين متعة تقديم الوعود الجديدة، خصوصا حين يكون الجمهور قد سمع الوعود نفسها من قبل، وحين تكون بعض الوجوه التي تعلن اليوم محاربة الفساد قد صمتت بالأمس وهي موقع السلطة التنفيذية، عن سحب قوانين تحاصر الفساد والريع.

وهذا بالضبط ما يجعل التصريح الحكومي الذي قدمته فاطمة الزهراء المنصوري أمام البرلمان مثيرا لسؤال سياسي يتجاوز لغة البرامج والنوايا الحسنة.

تعهدت رئيسة الحكومة اليوم باستكمال المنظومة الوطنية للنزاهة، وتجريم الإثراء غير المشروع، ومعاقبة تضارب المصالح، وتعزيز التصريح الإجباري بالممتلكات....

تعهد لا يختلف مغربيان على أهميته، في بلد لا ينقصه الحديث عن محاربة الفساد بقدر ما ينقصه الثقة في أن هذا الحديث سينتهي يوما إلى نتائج ملموسة... وقوانين فعالة دون أن تظل معلقة في رف الأماني...

لكن اسم عبد اللطيف وهبي يفرض نفسه هنا، ليس باعتباره خصما سياسيا للحكومة، بل باعتباره أحد الوجوه التي ارتبط اسمها بالجدل حول تجريم الإثراء غير المشروع.فحين كان وزيرًا للعدل في الحكومة السابقة ومازال في حكومة فاطمة المنصوري، دخل في مواجهة سياسية وقانونية بشأن مقتضيات هذا التجريم، وانتقد الصيغة المقترحة، مستندا إلى إشكالات تتعلق بقرينة البراءة وعبء الإثبات... وحنط المشروع، إن لم نقل وأده...

فكيف ستفعل فاطمة الزهراء لإنعاش ما وأده وزيرها ورفيقها في الحزب...؟

هل نتوقع صداما... أم تعديلا محتملا...في حالتما أصر وهبي على موقفه؟

في خضم ذاك النقاش، تحدث وهبي عن «بطولات وهمية» يصنعها البعض من خلال هذا الملف. قد تكون لدى وهبي حجج قانونية تستحق المناقشة، وقد يكون من المشروع الاعتراض على صياغة تشريعية بعينها. فمحاربة الفساد لا تعني التخلي عن ضمانات المحاكمة العادلة، ولا تحويل الاشتباه إلى إدانة. لكن السؤال الذي بقي معلقا هو: إذا كانت الصيغة معيبة، فلماذا عطل وهبي الصيغة البديلة التي تنهي الجدل وتضع حدا للإثراء غير المشروع؟

هنا تبدأ المفارقة التي يصعب على الحكومة تجاوزها بمجرد إعلان النيات.

المنصوري تعد اليوم بما كان موضوع خلاف بالأمس، ووهبي الذي شكك في بعض صيغ التجريم يجد نفسه أمام حكومة تعلن الالتزام به. فهل تغيرت القناعة، أم تغيرت مواقع الجلوس فقط؟

ليس مطلوبا من وهبي أن يتجمد عند موقف قديم بلغة " طارت معزة"...

فمن حق السياسي أن يراجع موقفه، ومن حق الحكومة أن تصحح اختيارات سابقتها. لكن المراجعة الحقيقية تحتاج إلى تفسير، والتصحيح يحتاج إلى شجاعة الاعتراف بأن ما لم ينجز بالأمس يجب أن يُنجز اليوم وبسرعة.

أما أن تتكرر الوعود من دون أن نعرف ما الذي عطلها، ومن يتحمل مسؤولية التعثر، وما الذي تغير حتى يصبح تنفيذها ممكنا، فذلك أشبه بتغيير لافتة الورشة مع إبقاء الأشغال متوقفة.


تضارب المصالح.. الامتحان الذي لا يقبل الانتقائية


لا تقف المسألة عند الإثراء غير المشروع. فرئيسة الحكومة تتعهد أيضا بمعاقبة تضارب المصالح... ربما تقصد منع وحظر وتجريم...

تطبيقا للفصل 36 من الدستور، وتعزيز التصريح بالممتلكات، ومحاربة الاحتكار والتواطؤ في الصفقات العمومية.وهنا تصبح المسألة أكثر حساسية. لأن تضارب المصالح لا يتعلق فقط برئيس جماعة صغيرة او موظف بسيط أخطأ في تدبير ملف، بل يمكن أن يلامس مناطق تتقاطع فيها السلطة والمال والنفوذ والقرار العمومي.

ومن السهل أن تعلن الحكومة الحرب على الفساد، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ عندما تضع قواعد واضحة وملزمة لنفسها، ولأعضائها، وللمسؤولين الذين يملكون سلطة القرار أو التأثير فيه. من سيحدد حالات تضارب المصالح؟ من سيراقب التصريحات بالممتلكات؟ كيف ستتم معالجة الحالات التي تتداخل فيها المصالح الخاصة مع المسؤوليات العامة؟ وهل ستكون القواعد نفسها سارية على الجميع، أم أن القانون سيظل شجاعًا في مواجهة البعض وحذرًا في مواجهة البعض الآخر؟

هذه ليست أسئلة تشكيكية، بل الحد الأدنى الذي يجعل التعهد الحكومي قابلًا للتصديق.

ولذلك، فإن المطلوب من المنصوري ليس أن تعيد إعلان الحرب على الفساد بصوت أعلى، وإنما أن تقدم جدولا زمنيا واضحا، ومشاريع نصوص قابلة للنقاش، وآليات للمراقبة والمحاسبة، وأن تقبل بأن يُقاس نجاحها بما ستنجزه، لا بما ستقوله.

أما وهبي، فإن الفرصة متاحة أمامه لتوضيح موقفه عمليا: إذا كان اعتراضه منصبا على صيغة قانونية بعينها، فليساهم في صياغة بديل يحمي قرينة البراءة ويمنع في الوقت نفسه الإفلات من المساءلة. عندها يصبح الخلاف القانوني طريقا إلى الحل، لا محطة إضافية في رحلة التأجيل.


الوعود لا تمحو الماضي


المغاربة لا يحتاجون إلى حكومة تقنعهم بأن الفساد سيء، ولا إلى مسؤولين يكتشفون في كل بداية ولاية أن تضارب المصالح خطر على الثقة العامة. ما يحتاجونه هو أن يروا القانون ينتقل من الخطاب إلى التطبيق، وأن يعرفوا أن المناصب لا تمنح حصانة أخلاقية أو سياسية لأصحابها.

وليس من العدل اختزال وهبي في موقف واحد، أو اعتبار كل تحفظ قانوني دفاعا عن الفساد. لكن ليس من المقبول أيضا أن تمر مواقف الأمس من دون مساءلة، بينما تُقدم وعود اليوم كما لو أن النقاش يبدأ للمرة الأولى.

هنا جوهر المفارقة: هل تستطيع الحكومة أن تنجز ما تعلن عنه، حتى عندما يتعلق الأمر بملفات كشفت خلافات داخل المعسكر السياسي نفسه؟

إذا خرج قانون فعال لتجريم الإثراء غير المشروع، وضبط تضارب المصالح، فسيكون ذلك مكسبًا للمغاربة، مهما تأخر، ومهما اختلفت المواقف التي سبقته. أما إذا انتهى الأمر إلى مزيد من التصريحات واللجان والنقاشات، فسيكون المواطن قد حصل على شيء واحد فقط: وعد جديد بمحاربة ظاهرة يعرفها جيدًا. 

نعلم...أنه لا يُطلب من السياسي أن يبقى أسير ماضيه، بل ألا يتصرف وكأن الماضي لم يقع. ولعل السؤال الذي ينبغي أن يرافق تصريح المنصوري تحت قبة البرلمان وخارجها هو هذا:.حين يصبح تجريم الإثراء غير المشروع وعدا حكوميا، فهل سنرى أخيرا قانونا يخرج إلى الوجود، أم سنكتشف، بعد خمس سنوات، أن «البطولات الوهمية» كانت أسهل من محاربة الفساد الحقيقي؟