«المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيّه ونحلته وسائر أحواله وعوائده»
ابن خلدون، المقدّمة
ثمة بلدان تطوي صفحات تاريخها، وأخرى تعيد قراءتها، وثالثة، أشد خيالًا، تصرّ على إعادة تمثيلها، بالأزياء نفسها، مكتفية بتغيير خشبة المسرح. ويبدو أن الجزائر العاصمة تنتمي إلى الصنف الثالث. فبعد متوسط القراصنة، ها هي صحراء الجنرالات؛ وبعد سفن الباب العالي، طائرات السوخوي الجمهورية؛ وبعد الأخوين بربروس، ثنائي تبون وشنقريحة. تمضي القرون، وتتبدل البزات، ويغزو الشيب الشوارب، لكن الإغراء باقٍ: تحويل الجوار إلى ساحة مناورات وتسميته رسالة تاريخية.
كنا نظن أن الريّاس استقروا نهائيًا في كتب التاريخ البحري، فإذا بهم يبعثون من جديد، بلا سفن شراعية ولا سيوف مقوسة، بل بطائرات مقاتلة ومراسيم رئاسية وبرلمان يُستدعى يوم الأحد. ولا بد من الإقرار بأن للقراصنة الجدد حسًّا بالحداثة: قديمًا كانت السفن تبحر عند الفجر، أما اليوم فيُستدعى النواب برسالة نصية قصيرة.
من بربروس إلى شنقريحة: خمسة قرون وبضعة أوسمة
في القرن السادس عشر، جعل الأخوان عروج وخير الدين، المعروفان ببربروس، من مدينة الجزائر مركزًا رئيسيًا لقوة القرصنة في البحر المتوسط. وكانت إيالة الجزائر التابعة للباب العالي تشارك في نمط من الحروب البحرية تختلط فيه المواجهات الإمبراطورية بالغارات والاستيلاء على السفن وأسر البشر وطلب الفدية. إنها حرب غير متكافئة قبل أن يولد المصطلح.
وكان لتلك الغارات أعرافها وراياتها وممولوها وأرباحها؛ بل كانت تملك قدرة عجيبة على تحويل السلب إلى رسالة سياسية نبيلة، شريطة توزيع الغنائم بالعدل بين أصحابها.
وبعد خمسة قرون، يبدو أن الورثة المؤسسيين لتلك الجغرافيا الاستراتيجية اكتشفوا مجددًا مزايا استعراض القوة خارج الحدود. لكن البحر غدا مزدحمًا، بما في ذلك قوارب المهاجرين المنطلقة من وهران وعين تموشنت، فاختار الريّاس الجدد الصحراء.
وهكذا تصبح النيجر بحرًا متوسطًا بلا ماء، ونيامي ميناءً بلا أرصفة، والصحراء مرسى فسيحًا ترسو فيه الأطماع الإقليمية.
وبالطبع فالمقارنة ساخرة؛ فتبون ليس بربروس، وشنقريحة ليس خير الدين، والتعاون العسكري بين الدول ذات السيادة لا يساوي القرصنة قانونًا. لكن الاستعارة تغدو مغرية حين تكتشف سلطة طالما قدّست عدم التدخل سحرَ إرسال القوات إلى الخارج.
وهكذا يعود الموروث السلطوي من النافذة، ولو على سنام جمل!
فيلق ثعالب الصحراء: بين الإنكشارية والصبايحية
ولأن لكل مغامرة عسكرية اسماً يليق بطموحات أصحابها، فلِمَ لا نطلق، على سبيل السخرية، على الوحدات الجزائرية المتجهة إلى النيجر اسم «فيلق ثعالب الصحراء»؟ إنها تسمية تومئ إلى لقب رومل، «ثعلب الصحراء»، وتجمع في صورة واحدة بين إنكشارية الباب العالي وصبايحية الجيش الفرنسي. ولا تعني هذه الاستعارة وجود نسب عسكري حقيقي بين تلك التشكيلات.
لقد حارب الجزائريون الاستعمار الفرنسي لينالوا استقلالهم، لكن المفارقة التي تستحق التأمل هي أن تتحول مكافحة النفوذ الأجنبي إلى إغراء بممارسة نفوذ مماثل على الجيران. فمن الباب العالي تُستعار صورة الإيالات والولاءات، ومن التاريخ الفرنسي تُستعار صورة الانتشار العسكري في الساحل؛ أما تونس والنيجر فدولتان مستقلتان، ولا يصح وصفهما بالتبعية إلا بوصفه نقداً ساخراً لاحتمال اختلال التوازن بين الشركاء.
وإذا تأكد تمركز الوحدات الجزائرية في قاعدة ماداما، التي سبق أن استخدمتها القوات الفرنسية ضمن عملية برخان، فستبدو الصورة كأنها مشهد من مسرح التاريخ: إنكشارية في الخطاب، وصبايحية في الميدان، وثعالب في الصحراء!.
وهنا يحضر ابن خلدون، لا شاهداً على وقائع عصرنا، بل صاحب عدسة تفسيرية: فقد يرفض الحاكم إرث الغالب في الشعارات، ثم ينجذب إلى أساليبه في إدارة القوة. أما ثعالب الصحراء الحقيقية فلا تحتاج إلى إجماع برلماني لعبور الكثبان، ولا إلى بلاغ رسمي يشرح أسباب خروجها من جحورها.
إيفيان: أرض لجيش أم جيش لأرض؟
لنعد إلى تاريخ آخر أقل طرافة وأكثر حسمًا: الثامن عشر من مارس 1962.
في ذلك اليوم وُقعت اتفاقيات إيفيان التي فتحت الطريق أمام استقلال الجزائر. وقد مارست الدولة الجديدة سيادتها على رقعة تشكلت حدودها إلى حد بعيد في أحلك فصول التاريخ الاستعماري الفرنسي.
وأدّى «جيش الحدود»، الذي تكوّن خلال حرب التحرير، دورًا حاسمًا في الاستيلاء على السلطة صيف 1962. وقد تناول المؤرخ محمد حربي بإسهاب التوتر بين الشرعية الثورية والمؤسسات المدنية والجهاز العسكري.
ومنذ ذلك الحين يلاحق تاريخ البلاد سؤال: أالجيش في خدمة الدولة، أم أن الدولة ما زالت، بدرجة ما، في خدمة الجيش؟
وورثت السلطة المستقلة حدودًا استعمارية قررت تحصينها ضد أي تغيير. ويمكن الدفاع عن هذا الخيار قانونيًا باسم الاستقرار الإفريقي، لكنه يغدو مفارقة سياسية حين يزعم الخطاب الرسمي محاربة كل ما خلّفه الاستعمار.
بعبارة أخرى: نلعن المستعمِر ونحتفظ بسجلاته العقارية كما لو كانت نصوصًا مقدسة.
وكان بوعلام صنصال قد ألقى حجرًا ثقيلًا في هذه البركة الراكدة حين تحدث عن الروابط التاريخية لتلمسان ووهران والغرب الجزائري بالمغرب. ولا تكفي أقواله لحسم تاريخ ترابي معقد، لكنها تذكّر بحقيقة لا تطيقها النزعات القومية: الحدود الراهنة لا تختزل وحدها تاريخ الأقاليم.
ليست القضية إذن إعادة رسم الحدود إرضاءً لأحلام إمبراطورية غابرة، بل القدرة على مناقشة نشأتها من دون تحويل كل سؤال تاريخي إلى جريمة خيانة عظمى.
في جمهورية اليقين الأبدي، يصبح التاريخ علمًا رائعًا: إنه على حق دائمًا، شرط أن يطابق البلاغ الرسمي. أما ابن خلدون، الذي يُسعى إلى الاستئثار به عبر اليونسكو، فليتحمل تبعات ذلك!
النيجر: من جار لا يُطاق إلى حليف لا يُستغنى عنه
تقدم النيجر اليوم درسًا بليغًا في دبلوماسية تتغير مقاييسها بتغير المصالح.
في يوليو 2023 أُطيح بالرئيس محمد بازوم، «بطبيعة الحال»، في انقلاب جديد. فأدانت الجزائر بشدة الانقلاب على النظام الدستوري وطالبت بالعودة إلى الشرعية.
وبعد ثلاث سنوات، تبدّل المشهد على نحو مدهش.
فالجنرال عبد الرحمن تياني، الذي كان بالأمس عنوانًا للانقطاع الدستوري المرفوض في الجزائر، أصبح شريكًا استراتيجيًا ينبغي حمايته من زعزعة الاستقرار، واستقباله في ردهات العاصمة.
ذلك أن الشرعية السياسية، «عند هؤلاء»، مطاطة على نحو لا يصدق. فالعسكري الذي يطيح برئيس منتخب انقلابي ما دام يعرقل مصالحك؛ وما إن يخدمها حتى يغدو شريكًا محترمًا.
وفي 30 أغسطس 2026، أعلنت الجزائر رسميًا إرسال أربع مقاتلات من طراز سوخوي 30 إلى النيجر لدعم سلطات نيامي عقب محاولة لزعزعة الاستقرار. وفي 21 أكتوبر، نُقل خبر اتفاق جديد للتعاون العسكري بين البلدين.
ثم جاء الأحد 25 أكتوبر 2026، فاجتمع مجلسا البرلمان الجزائري في دورة استثنائية وصوّتا، بالإجماع، على إرسال قوات إلى النيجر استنادًا إلى المادة 91 من الدستور المعدل سنة 2020.
ولم يكد حبر التصويت البرلماني يجفّ حتى أعلن الرئيس عبد المجيد تبون، يوم الاثنين 26 أكتوبر 2026، قراره إرسال وحدات من الجيش الوطني الشعبي إلى النيجر، بناءً على طلب السلطات النيجرية، ولحماية المصالح الطاقية والاقتصادية المشتركة، بحسب بيان الرئاسة الجزائرية. وهكذا انتقل الملف، في أربع وعشرين ساعة، من الترخيص البرلماني إلى القرار الرئاسي.
أما عدد الجنود وموعد وصولهم ومكان تمركزهم النهائي، فلم تتضح بعد في الإعلان الأول. وتظل قاعدة ماداما، التي استعملتها القوات الفرنسية ضمن عملية برخان، موقعاً محتملاً لا مقراً مؤكداً. ويا لسخرية التاريخ إن حلّ ورثة خطاب التحرير في ثكنة تركها جيش المستعمر السابق!
وفي بلد تتعثر فيه عجلات الاقتصاد، يبدو أن عجلات القرار العسكري تدور بسرعة استثنائية. غير أن السؤال الذي لا تجيب عنه البلاغات المتعجلة يبقى: ما حدود المهمة، ومتى تنتهي، ومن يتحمل كلفتها؟
ويبقى أن نعرف النطاق الدقيق للتفويض، وأعداد القوات المعنية، ومدة المهمة، والشروط العملية للانتشار.
لكن شيئًا واحدًا يبدو واضحًا: مبدأ عدم التدخل، الذي ظل شبه مقدس، اكتشف فجأة فضائل «الرحلات المنظمة».
برلمان يُستدعى برسالة هاتفية: ديمقراطية بالحجم المصغّر
تستحق هذه الواقعة البرلمانية وحدها فصلًا في سجلات الفقه الدستوري المعاصر.
فبحسب الصحافة الجزائرية، تلقى النواب وأعضاء مجلس الأمة استدعاءات مقتضبة لاجتماع استثنائي، من دون إعلان جدول أعمال مفصل.
وهكذا استُدعي ممثلو الأمة بالكتمان الذي يليق باجتماع سكان عمارة، للبت في قضية تتعلق بأرواح الجنود وأمن المنطقة وعلاقات الدولة الخارجية.
ومع ذلك، يشترط الدستور أغلبية الثلثين في كل مجلس.
الثلثان!
لكن المنتخبين وجدوا هذا النصاب متواضعًا للغاية، فصوّتوا جميعًا بنعم. نعم، ما زال الإجماع موجودًا، وليس في كوريا الشمالية وحدها! حين يطلب الدستور ثلثين، تهدي الحماسة الوطنية مئة في المئة، بلا صوت نشاز. وكان فيلهلم رايش قد تحدث في كتابه «اسمع أيها الإنسان الصغير!» عن القطيع البشري؛ وأي تشابه هنا محض مصادفة فاضحة.
ويبقى السؤال المحرج: هل تكفي أغلبية موصوفة، بل حتى إجماع كامل، لضمان رقابة ديمقراطية ما دامت المعلومات الأساسية عن المهمة وأهدافها ومخاطرها ومدتها لا تُناقش علنًا؟
في بعض الديمقراطيات، يناقش الناس ليقرروا؛ وفي أخرى يُتخذ القرار أولًا، ثم يُجمع الممثلون للإقرار بأنه قرار ممتاز.
والفرق أحيانًا ساعات قليلة... وبضع رسائل هاتفية.
الأسطورة العابرة للصحراء
لكن لماذا كل هذه العجلة بشأن النيجر؟
أما الدوافع المعلنة، فتجمع بين مكافحة الجماعات المسلحة، وحماية الأمن الحدودي، وتأمين الاستثمارات الجزائرية، وفي مقدمتها أعمال سوناطراك في حقل كافرا النفطي شمال النيجر. وهذا الموقع ليس اسمًا متخيّلًا: فقد أُعلن في أغسطس 2026 بدء حفر آبار استكشافية فيه، بالتعاون مع الشركة النيجرية سونيديب. غير أن وجود مصلحة اقتصادية فعلية لا يجعل كل خيار عسكري ضرورة بديهية، ولا يعفيه من النقاش والمساءلة.
أما الدوافع غير المعلنة، فهي باب التحليل لا باب الحقائق المثبتة: تثبيت نفوذ الجزائر في شمال النيجر، وتعزيز أوراقها في سباق ممرات الطاقة، وموازنة المبادرات الأطلسية المنافسة، وربما توظيف أزمة خارجية لتوسيع هامش السلطة داخليًا. تلك فرضيات سياسية تستحق الاختبار، لا أسرارًا نزعم الاطلاع عليها من وراء أبواب القصور.
غير أن وراء عبارات الأخوة المستهلكة يطل فاعل آخر أقل عاطفية: أنبوب الغاز العابر للصحراء، نيجيريا–النيجر–الجزائر.
منذ عقود وهذا المشروع، إن لم نقل هذا السراب، يعبر الخطابات الرسمية بانتظام لافت: يُوعَد به ويُعلن ويُبعث من جديد؛ يظهر في البلاغات، ويختفي بين دراسات الجدوى، ثم يعود إلى الحياة مع كل ظرف طاقي جديد.
إنه عنقاء أسطورية بحق؛ كلما حسب الناس أن المشروع صار رمادًا، خرج من رماد البيانات الرسمية ناشرًا جناحيه فوق الصحراء، ثم عاد ليستريح في أدراج دراسات الجدوى.
والرهان ضخم: نقل الغاز النيجيري إلى الشبكات الجزائرية، ومنها ربما إلى الأسواق الأوروبية. لكن المشروع يواجه عقبات التمويل، وقبل كل شيء الأمن، فضلًا عن منافسة الممر الآخر: مشروع أنبوب الغاز نيجيريا–المغرب.
ومن هذا المنظور، يشكل استقرار النيجر مصلحة اقتصادية كبرى للجزائر وورقة تفاوض محتملة في البحث عن التمويل.
غير أنه ينبغي التمييز بين طموحين مختلفين: الإسهام في أمن شريك ذي سيادة، واعتبار بقاء نظام سياسي بعينه شرطًا لنجاح مشاريع الطاقة الخاصة بك.
يمكن حماية أنبوب غاز، لكن حماية سلطة إلى ما لا نهاية أمر أشد تعقيدًا.
ثم إن أنبوبًا، ولو امتد آلاف الكيلومترات، لا يصنع بمفرده سياسة إفريقية.
وثمة مكسب آخر محتمل، بعد إخضاع النيجر للتبعية: محاولة عرقلة المبادرة الملكية الأطلسية الرامية إلى فك عزلة دول الساحل، ومنها النيجر ومالي وبوركينا فاسو وتشاد، عبر فتح منفذ لها على المحيط من خلال المغرب.
معسكر واحد في مواجهة معسكرات: إغراء الوصاية الاستراتيجية
وللمفارقة عنوان من طين ورمال: «ماداما». فهذا الموقع العسكري في أقصى شمال النيجر، قرب الحدود الليبية، سبق أن استُخدم قاعدةً متقدمة للقوات الفرنسية في عملية برخان. وقد طُرح اسمه لاستضافة قوات جزائرية، دون أن يعني ذلك أن الانتشار قد اكتمل. يا لها من دورة تاريخية أنيقة: نُخرج المستعمر من خطبنا كل صباح، ثم نفكر في استلام مفاتيح ثكنته مساءً! وللإنصاف، فإن ماداما موقع نيجري استُخدم من قبل قوات فرنسية، لا أرض فرنسية انتقلت ملكيتها إلى الجزائر.
تقع النيجر اليوم في فضاء ساحلي شديد التشرذم، تتقاطع فيه المجالس العسكرية والجماعات المسلحة والمصالح المنجمية والتنافسات الدولية وشعوب أنهكتها عقود من انعدام الأمن.
قد يبدو دعم نظام سياسي وسيلة لحفظ التوازن الإقليمي، لكنه يحمل خطر الخلط بين استقرار الدولة والإبقاء بالقوة على الفريق الحاكم.
وأي تدخل عسكري خارجي، حتى لو طلبته السلطات المعنية وفق الأطر المتعارف عليها، يطرح أسئلة جوهرية: ما التفويض؟ ما الأهداف؟ ما المدة؟ ما الكلفة؟ والأهم: ما استراتيجية الخروج؟
والتاريخ القريب مليء بتدخلات بدأت لأسابيع واستمرت سنوات.
ثمة فارق أساسي بين منع انهيار دولة والتحول إلى شركة تأمين سياسي لنظامها. الأول يدخل في باب الأمن الجماعي، أما الثاني فقد يقود إلى تبعية متبادلة يعجز الجميع عن التحكم في عواقبها.
ومن يحاول حماية حليف من جميع خصومه قد ينتهي إلى وراثة أعدائه جميعًا. وهم، في هذه الحالة، كُثر.
صناعة العدو: قطاع وطني لا يعرف الكساد
لكن عبقرية النظام الجزائري الحقيقية قد لا تكمن في المحروقات ولا في المناورات العسكرية ولا في تعطيل كل مبادرة يراها عدائية.
بل في صناعة أقدم، عجيبة القدرة على الصمود، تكاد تستغني عن أسعار النفط: صناعة الأعداء الخارجيين.
وكان الدبلوماسي السابق عمار بلاني قد عاد إلى توزيع الاتهامات في الخطاب الناطق بالفرنسية، فيما يبرز اسم عبد العزيز رحابي في السجال السياسي والإعلامي الناطق بالعربية. ولا يصح اختزال الرجلين في صفة رسمية واحدة، أو نسبة تصريحات محددة إلى رحابي بلا توثيق؛ لكن المفارقة الساخرة في هذه الجوقة أن الألسنة تتعدد، بينما تبدو النغمة، عند بعض المدافعين عن السلطة، مألوفة: هناك دائمًا مؤامرة جاهزة قبل أن يبدأ النقاش.
وكأن العالم كله يستيقظ كل صباح على هاجس وحيد: منع الجزائر من تحقيق «قدرها المجيد»!
وكان السفير السابق عمار بلاني، «المحب للمغرب»، قد تحدث مجددًا يوم 24 أكتوبر عن استراتيجية لزعزعة استقرار المنطقة تشترك فيها أطراف عدة من هؤلاء.
ولهذا المنطق فعالية خارقة: إذا واجه البلد صعوبات، فالأعداء يتآمرون؛ وإذا تأخرت المشاريع، فهم يعرقلونها؛ وإذا بنى الجيران بنيتهم التحتية، فهم يخططون لمحاصرة الجمهورية.
وهكذا تصبح المؤامرة الخارجية و«الطابور الخامس» — ولنتذكر الرواية المصورة التي قدمها الجيش بشأن حرائق الغابات — موردًا سياسيًا متجددًا.
بل لها على النفط ميزة عظيمة: لا تحتاج إلى حفر ولا تكرير ولا صيانة منشآت.
كل ما يلزم ميكروفون وخريطة جغرافية ومتحدث رسمي يتمتع بخيال خصب.
وعلى هذا المنوال، قد تطلب البلاد قريبًا إدراج نظرية المؤامرة ضمن التراث الثقافي غير المادي للبشرية.
من قبلة الثوار إلى متحف الثورات
كان زمن أرادت فيه الجزائر العاصمة أن تكون قبلة الثوار، وحاملة راية الجنوب العالمي قبل أن يُصاغ هذا الاسم. فقد استضافت حركات التحرر والمناضلين ضد الاستعمار ورموز الاحتجاج الدولي.
ذلك تاريخ حقيقي، بمثله العليا ومناطقه المعتمة. لكن البريق الثوري أخذ يتآكل تدريجيًا حتى تحول في خطاب السلطة إلى ريع من الذاكرة.
لم يعد الحكم باسم الشعب الحي وحده، بل باسم الموتى الممجدين والتضحيات الماضية وثورة يتوارث ورثتها المعلنون شهادات أصالتها في غيرة شديدة.
وعرفت الجزائر أيضًا زمنًا كان فيه كارلوس، أحد رموز الإرهاب الدولي، يستفيد من شبكات وعلاقات حماية في عواصم العالم الثوري.
ويا لسخرية التاريخ حين تظل دولة ترفع شعار تحرير الشعوب إلى الأبد، بينما تتبنى في داخلها تصورًا بالغ الضيق للحرية السياسية.
كان يفترض بالثورة أن تحرر المجتمع، فإذا بها تتحول أحيانًا إلى سند ملكية تحتكره طبقة من «الذين لا يُمسّون».
والويل لمن يطلب الاطلاع على عقد الملكية لدى الموثق!
إطارات الثورة
يبقى لغز ينبغي لكبار الاستراتيجيين أن يتأملوه.
كيف لبلد يملك موارد طاقية هائلة وسكانًا متعلمين ومساحة شاسعة وموقعًا جغرافيًا استثنائيًا أن يواصل معاناة ندرة متكررة وقيود تجارية وصعوبات في توفير سلع عادية؟
لقد كشفت أزمات إطارات السيارات وقطع الغيار وسلع مستوردة مختلفة، مرارًا، تناقضات اقتصاد لا تتحول فيه الطموحات الصناعية المعلنة دائمًا إلى عرض كافٍ.
ولِمَ نصنع الإطارات ما دمنا نجيد صناعة البلاغات؟
للبلاغ الرسمي مزايا كثيرة: لا يُثقب أبدًا، ولا يحتاج إلى عجلة احتياطية، ويمكنه أن يطوف العالم من دون مغادرة مكتب محرره.
المواطن يبحث عن إطار سيارة، والدولة تقدم له «عمقًا استراتيجيًا».
ولا بد من الاعتراف بأن هذه المقايضة تفتقر قليلًا إلى الإنصاف.
ماذا لو صارت الأزمة الخارجية بوليصة تأمين سياسي داخلي؟
يبقى سؤال أدق: ما الفائدة الداخلية التي قد يجنيها الحكم من توتر إقليمي طويل الأمد؟
إنها فرضية تستحق الطرح، من دون تحويلها تلقائيًا إلى اتهام مجاني.
ففي أنظمة سياسية كثيرة، تساعد الأزمات الخارجية على الالتفاف حول السلطة، وتعزز وزن المؤسسات الأمنية، وتتيح تصوير الاحتجاجات الداخلية باعتبارها تهديدًا للوحدة الوطنية.
والآلية معروفة: كلما ضاق الأفق السياسي اتسعت خريطة الأخطار.
فهل يجوز أن نرى في الحالة الجزائرية رغبة في تهيئة وضع استثنائي قد يُستخدم يومًا لتأجيل الاستحقاقات الانتخابية؟
لا شيء يتيح الجزم بذلك اليوم.
لكن أهمية الرقابة المدنية على القرارات العسكرية، وشفافية العمل البرلماني، واحترام المواعيد الدستورية، تتعاظم لهذا السبب بالذات.
فالديمقراطية لا تُقاس بقدرتها على تعبئة قواتها أمام الأخطار فحسب، بل بقدرتها أيضًا على صون مؤسساتها حين تتحول الأخطار إلى حجة دائمة للسلطة.
يجب أن تظل حالة الاستثناء استثناءً.
فقد تكتشف بعض الأنظمة في الاستعجال راحة سياسية يصعب عليها بعد ذلك التخلي عنها.
أما تأجيل الوعود الانتخابية إلى يوم لا يأتي، فهو كما نعلم وجهة مريحة للغاية.
الرحلة الأخيرة للريّاس
تلك هي الجزائر الرسمية سنة 2026: وريثة ثورة أصيلة، لكنها أسيرة سردية يبدو أحيانًا أنها لا تستطيع البقاء من دون خصم.
بالأمس كان المطلوب محاربة الاستعمار. واليوم صدّ الحصار. وغدًا ربما إنقاذ الساحل من نفسه.
تمتلك الجزائر المقومات البشرية والاقتصادية والثقافية التي تؤهلها لأن تصبح قوة إقليمية محترمة، منفتحة على إفريقيا والمتوسط. وليست بحاجة إلى تحويل كل خلاف دبلوماسي إلى معركة وجودية.
فالعظمة الحقيقية لا تقاس بعدد الأنظمة التي يمكن إخضاعها، ولا بعدد الجنود الذين يمكن نشرهم، ولا بعدد المؤامرات التي يمكن التنديد بها.
إنها تقاس بقدرة الدولة على توفير اقتصاد منتج لشعبها، ومؤسسات جديرة بالثقة، ومستقبل لا يبقى إلى الأبد معلقًا على أمجاد سنة 1962.
وبكلمة واحدة: الأمل.
أما ورثة بربروس الجدد، فعليهم تذكر حقيقة بسيطة: كان القراصنة يعودون بالغنائم، لكنهم لم يكونوا بالضرورة يبنون أممًا مزدهرة.
فثمة مغامرات يعود أصحابها بالأوسمة، وأخرى يعودون منها بالديون، وثالثة لا يعودون منها أصلًا.
في القرن السادس عشر، كان الريّاس يطلبون الثروة فوق الأمواج.
وفي القرن الحادي والعشرين، يبدو أن أشباههم الساخرين يريدون البحث عنها تحت الرمال.
وبينما يحلم أميرالات الصحراء بفتوحات جديدة، لا يزال المواطن الجزائري ينتظر إطارات سيارته.
حقًا، يبدو أن بعض أهل الحكم في الجزائر يفضلون تدوير عجلة التاريخ على تدوير عجلات السيارات.






