رأي

خالد أخازي: أوجار و«الخيانة السياسية».. من الوقار الملكي إلى وزارة المالية وتضارب المصالح: أين اختفت اللباقة حين كانت السلطة في أيديكم؟

كاتب وإعلامي مستقل

يبدو أن محمد أوجار، القيادي في حزب التجمع الوطني للأحرار والوزير السابق، اكتشف فجأة أن للسياسة أخلاقا، وأن للتحالفات أعرافا، وأن مهاجمة الحصيلة الحكومية المشتركة قد تصل إلى مستوى «الخيانة السياسية». اكتشاف يستحق التهنئة لولا أن الذاكرة السياسية للمغاربة أطول من ذاكرة بعض السياسيين، ولولا أن سجل المواقف لا يبدأ من اللحظة التي يغادر فيها الحزب مقاعد الحكومة، ولا ينتهي عند أول خلاف على توزيع الحقائب الوزارية.

في تصريح أخير تحت تصفيق أعضاءحزبه، لملم الجراح وهو يعاتب حلفاء الأمس لأنهم حسبه هاجموا الحصيلة الحكومية التي شارك حزبه في صناعتها، ويعتبر استبعاد التجمع الوطني للأحرار من الحكومة الجديدة خروجا عن قواعد الوفاء السياسي...

وهو المحنك... الذي يعلم أن الوفاء في السياسية أسطورة....

وأن الأحزاب حين تتحالف لتحكم لم تلتئم بموجب عقد أخلاقي يمنعها من التنافس.

لكن قبل أن يقدم لنا أوجار دروسا في اللباقة السياسية، يجدر به أن يعود قليلا إلى الوراء، إلى مواقف أثارت أسئلة لا تقل أهمية عن السؤال الذي يشغله اليوم: من خان من؟


هل ننسى أنه في نونبر 2024، أثار نقاشا بشأن تركيبة رئاسة عدد من مؤسسات الحكامة، متسائلا عن خلفيات تعيين شخصيات محسوبة على التيار اليساري، وعن الجهات التي تقدم الأسماء إلى الملك...

وهنا لا يتعلق الأمر بمنع سياسي من ممارسة حقه في النقد، ولا بإعفاء مؤسسات الحكامة من المساءلة، وإنما بحدود الخطاب السياسي حين يتناول التعيينات الملكية.

فالاعتراض على أداء مؤسسة، ومناقشة معايير الكفاءة والاستقلالية، أمر مشروع. أما تقديم الملاحظات بشأن التعيينات الملكية بطريقة تضع القرار في مرمى الحسابات الحزبية والإيديولوجية، فيطرح سؤالا مختلفا يتعلق بالوقار الواجب للمؤسسة الملكية، وبالمسؤولية التي تفرضها مكانة الملك في النظام الدستوري المغربي...

أين اللباقة يا سيدنا أوجار؟

فاللباقة السياسية الحقيقية ليست أن تتجنب إغضاب حليفك، بل أن تعرف كيف تمارس النقد دون أن تنزلق إلى خطاب قد يُفهم باعتباره مسّا بالوقار الواجب للملك.

وإذا كان أوجار يرى أن التوازن السياسي داخل مؤسسات الحكامة يستحق النقاش، فكان بإمكانه أن يركز على ضمانات الاستقلالية ومعايير الاختيار وفعالية الأداء، بدل فتح النقاش حول الجهات التي تقترح الأسماء على الملك، بما يحمله ذلك من حساسية سياسية ومؤسساتية.

والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل يستحضر أوجار معيار اللباقة نفسه عندما يتعلق الأمر بخصومه، أم أن للخطاب السياسي مقاييس تتغير بحسب موقع صاحبه من السلطة؟

ثم إن الذاكرة السياسية لا تتوقف عند هذا الحد. فقبل أن يطالب أوجار الآخرين بالوفاء للحصيلة الحكومية المشتركة، عليه أن يتذكر أن حزبه لم يكن مجرد شاهد على تجربة حكومة عزيز أخنوش، بل كان شريكا في تدبيرها والدفاع عنها، وأن رئيس الحكومة السابق لم يكن مجرد شخصية تتعرض للهجوم، بل كان في قلب نقاش سياسي واسع بشأن تضارب المصالح والعلاقة بين المال والسلطة. وقد أثارت صفقات ومشاريع كبرى، من بينها محطة تحلية مياه البحر بالدار البيضاء، نقاشا عموميا حول احتمال تنازع المصالح، بالنظر إلى المصالح الاقتصادية المرتبطة بشركات عائلة أخنوش، وعلاقة رئيس الحكومة بالمؤسسات العمومية المعنية بالمشروع. وهي أسئلة تناولتها تحقيقات صحفية ومداخلات برلمانية، دون أن يعني إثارتها وحدها ثبوت مخالفة قانونية. 

ففي شتنبر 2026، دافع أوجار عن أخنوش، مؤكدا أن حزبه بحث في شبهات تضارب المصالح ولم يجد، بحسب قوله، ما يعززها، وانتقد ما اعتبره تهويلا وابتزازا لرجال الأعمال...

هنا... تبرز اللياقية البلاغية لأوجار... لا اللباقة؟ هنا تحديدا تظهر أهمية التمييز بين الدفاع الحزبي والجواب المؤسساتي.

فهل يكفي أن يعلن حزب سياسي أنه بحث في شبهات تضارب المصالح ولم يجد ما يؤكدها، حتى ينتهي النقاش؟ أليس من حق المواطنين أن يعرفوا كيف تم التعامل مع هذه الشبهات، وما المعايير التي اعتمدت، وما الذي تقوله المؤسسات المختصة بشأنها؟ إن تضارب المصالح لا يُحسم بالشعارات، ولا يثبت بمجرد الاتهام. إنه موضوع يحتاج إلى الوقائع والوثائق والمساطر القانونية والرقابة المستقلة. لكن تحويل النقاش بشأنه إلى اتهام للمنتقدين بالابتزاز أو التخويف لا يجيب عن الأسئلة المطروحة، بل ينقل المعركة من مضمون الوقائع إلى نيات من أثاروها.

والمفارقة أن أوجار، الذي يطالب اليوم حلفاءه السابقين باللياقة في التعامل مع الحصيلة الحكومية، لم يجد حرجا في تبني خطاب دفاعي قوي عن رئيس الحكومة السابق، في قضية كانت تستوجب، قبل كل شيء، التمييز بين الحق في الدفاع عن رجل الأعمال والسياسي، والحق في مساءلة تدبير المصالح العامة. فإذا كانت اللباقة تقتضي عدم التشهير بالخصوم، فإنها تقتضي أيضا عدم تحويل كل مساءلة إلى ابتزاز، وكل سؤال إلى استهداف، وكل نقد إلى مؤامرة.

ليس المطلوب من أوجار أن يدين أخنوش، ولا أن يتبنى اتهامات المعارضة، وإنما أن يدرك أن الدفاع عن زميل حزبي لا يعفيه من واجب احترام حق المجتمع في السؤال والمساءلة.

ثم جاء التسجيل الصوتي المنسوب إلى راشيد الطالبي العلمي، رئيس مجلس النواب والقيادي في التجمع الوطني للأحرار، خلال اجتماع حزبي، ليكشف وجها آخر من وجوه الصراع داخل الأغلبية السابقة.

فبحسب ما نشرته وسائل إعلام مغربية في غشت 2026، تضمن التسجيل انتقادات لفوزي لقجع، على خلفية استقطاب شخصيات ومنتخبين من التجمع الوطني للأحرار، قبل أن يصل النقاش إلى حقيبة وزارة الاقتصاد والمالية، مع عبارة «والله ما يدي وزارة المالية»، والإشارة إلى استمرار نادية فتاح على رأس الوزارة إذا احتل الأحرار المرتبة الثانية في الانتخابات. 

لنتأمل المشهد قليلا...

أليس غريبا أن يتحول الحديث عن وزارة دسمة ذات أهمية استراتيجية، في نقاش حزبي مسرب، إلى ما يشبه إعلان مسبق عمن ينبغي أن يتولاها ومن ينبغي أن يُمنع منها؟ وأين تنتهي هنا حدود التنافس السياسي المشروع، وأين تبدأ حسابات النفوذ الحزبي والشخصي؟

وزارة الاقتصاد والمالية ليست ملكا لحزب، ولا حقيبة يحتفظ بها تنظيم سياسي باعتبارها حقا مكتسبا، ولا جائزة تُمنح لمن يتصدر الانتخابات. إنها مسؤولية حكومية تتطلب الكفاءة والانسجام مع البرنامج الحكومي واحترام قواعد التعيين والتدبير...

هل هذه لباقة؟

وإذا كان التسجيل المنسوب إلى الطالبي العلمي يعكس ما نشرته وسائل الإعلام بشأن مواقف داخلية من توزيع الحقائب الحكومية، فإنه يضع الخطاب السياسي للتجمع أمام اختبار حقيقي: هل يتعلق الأمر بالدفاع عن معايير موضوعية في اختيار الوزراء، أم بمحاولة رسم حدود المنافسة على المناصب قبل أن تحسم المؤسسات المختصة أمرها؟

هنا أيضا، لا ينبغي القفز إلى استنتاجات لا تثبتها واقعة التسريب وحدها. لكن من حق المواطن أن يسأل لماذا يبدو الصراع على حقيبة المالية بهذه الحدة، ولماذا يتحول التنافس بين الأحزاب إلى حديث عن من يحق له الاقتراب من الوزارة ومن لا يحق له ذلك...

وإذا كان أوجار يتحدث اليوم عن خيانة الشركاء، فهل يمكنه أن يوضح للمغاربة كيف ينسجم هذا الخطاب مع مشهد الصراع على المناصب داخل حزبه وأغلبيته السابقة؟

ثم إن الحديث عن استقطاب المنتخبين يفتح بدوره بابا آخر للمساءلة. فقد انتقد الطالبي العلمي انتقال بعض المنتخبين والبرلمانيين إلى أحزاب منافسة، في وقت يعرف فيه المشهد الحزبي المغربي تاريخا من الانتقالات والاستقطابات التي استفادت منها أحزاب مختلفة، بما فيها التجمع الوطني للأحرار.

الموقف المبدئي لا يكون برفض الترحال عندما يضر بك، وقبوله عندما يخدمك، ولا بالتنديد باستقطاب المنتخبين حين يتجهون إلى الخصم، ثم اعتبار العملية نفسها انتصارا سياسيا حين يكون الحزب هو المستفيد.

اللباقة السياسية الحقيقية هي الاتساق، والوفاء الحقيقي هو احترام القواعد نفسها حين تكون رابحا وحين تكون خاسرا. أما أن تتحول الممارسات نفسها إلى فضيلة عندما تخدم الحزب، وإلى خيانة عندما يستفيد منها المنافس، فذلك ليس دفاعا عن الأخلاق السياسية، بل إخضاع للأخلاق لحسابات الربح والخسارة.

وبالقدر نفسه، فإن مساءلة المنتخبين عن الفساد لا ينبغي أن تتحول إلى محاولة لتوريط رجال ونساء الإدارة الترابية بصورة عامة، أو لتقديمهم باعتبارهم شركاء في اختلالات تدبير الشأن المحلي. نعم، الرقابة الإدارية جزء من منظومة المسؤولية، ويجب مساءلة كل من ثبت تورطه أو تقصيره، لكن المسؤولية السياسية للمنتخب لا تختفي خلف محاولة جر الإدارة الترابية إلى فساد النخب. والمطلوب هو تحديد المسؤوليات بالأدلة، لا توزيع الشبهات بالجملة.

وإذا كان أوجار يدعو إلى محاسبة المنتخبين ورجال السلطة، فليكن المبدأ شاملا، لا انتقائيا. وإذا كان يطالب بالوفاء السياسي، فليبدأ بالوفاء للحقيقة، وبالاعتراف بأن حزبه كان شريكا في الحكومة السابقة، وأنه يتحمل نصيبا من مسؤولية حصيلتها، بما لها وما عليها.٥

أما الخروج إلى المعارضة فلا ينبغي أن يتحول إلى مناسبة لإعادة كتابة التاريخ، أو تصوير الحزب المستبعد باعتباره ضحية خيانة لا شريكا سابقا في السلطة.

إن المعارضة الذكية التي يتحدث عنها أوجار لا تبدأ بالدفاع التلقائي عن الحصيلة السابقة، ولا بالشكوى من شركاء الأمس، بل بالقدرة على تقييم التجربة بموضوعية، والاعتراف بالأخطاء، وتقديم بدائل قابلة للتنفيذ. فإذا كانت الحكومة السابقة قد حققت إنجازات، فليقدمها بالأرقام. وإذا أخفقت في ملفات اجتماعية واقتصادية، فليشرح أسباب ذلك. وإذا كانت هناك شبهات تضارب مصالح، فليطالب بالتحقيق المستقل والشفاف. وإذا تعلق الأمر بالتعيينات الملكية، فليمارس النقد المسؤول الذي يحترم المقامات الدستورية. تلك هي السياسة التي يحتاجها المغاربة، لا سياسة تتغير فيها المبادئ بتغير المقاعد.