فقد أصبح المغرب ضمن قائمة أفضل 20 دولة عالمياً من حيث جودة الربط في مجال النقل البحري، وفق أحدث بيانات مؤشر الربط بشبكة الملاحة البحرية المنتظمة (LSCI)، الصادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد). ويعتمد هذا المؤشر على مجموعة من المعايير، من بينها عدد الخطوط البحرية المنتظمة، والطاقة الاستيعابية للسفن، وحجم الخدمات التي توفرها شركات النقل البحري، والقدرات المينائية، فضلاً عن عدد الدول المرتبطة بخطوط بحرية مباشرة.
وأعتقد أن المغرب، في ظل المشاريع المينائية الكبرى والاستراتيجية التي ينهجها، مؤهل للتقدم أكثر في هذا التصنيف، وربما الالتحاق بالعشر الأوائل عالمياً.
لكن، هل يكفي أن نطور الموانئ ونحسن مؤشرات الربط البحري، بينما نترك استغلال جزء كبير من هذه الإمكانات للأساطيل الأجنبية؟ وهل من المنطقي أن يمتلك المغرب هذه الواجهة البحرية والموقع الاستراتيجي، دون أن يتوفر على أسطول وطني قوي وتنافسي؟
أعتقد أن الوقت قد حان لكي يتحرك المسؤولون المغاربة، سواء في القطاع العام أو الخاص، نحو إحداث لجنة وطنية على أعلى مستوى، تضم خبراء مغاربة في المجال البحري والاقتصادي والمالي، تكون مهمتها وضع تصور استراتيجي وخطة عمل واضحة تحدد المسار الذي ينبغي للمغرب اتباعه لتطوير أسطوله التجاري البحري.
فهذا الورش يتطلب إنجاز مجموعة من الدراسات المتخصصة، ووضع تصورات متكاملة تأخذ بعين الاعتبار مختلف الإكراهات والتحديات التي يواجهها القطاع. ولهذا، أرى أن إحداث لجنة وطنية متخصصة أصبح أمرا ضروريا ومستعجلا.
ومن بين الأخطاء التي أعتقد أننا ما زلنا نقع فيها، استمرارنا في الاستعانة بالخبراء والشركات الأجنبية لتشخيص وضعية القطاع البحري بالمغرب، سواء تعلق الأمر بشركات أمريكية أو بريطانية أو إسبانية وغيرها، من أجل تحديد مكامن الخلل ورصد المشاكل التي يعاني منها القطاع. في الوقت الذي نتوفر فيه على كفاءات وخبرات وطنية قادرة على القيام بهذه المهمة ولها إلمام بواقع القطاع.
أمام هذه المعطيات، لم يعد من الممكن تأجيل ورش إعادة بناء الأسطول البحري الوطني، وقد برز هذا التوجه بوضوح في الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى الـ 48 للمسيرة الخضراء، حين دعا الملك محمد السادس إلى "تكوين أسطول بحري تجاري وطني، قوي وتنافسي".
خصوصاً في ظل التحولات الجيوسياسية والأمنية التي يشهدها العالم، والتي أظهرت أن النقل البحري ليس مجرد نشاط تجاري، بل أصبح رافعة للسيادة الاقتصادية والأمن الاستراتيجي للدول.
قال الملك في خطابه أنه يجب علينا "التفكير" في بناء أسطول بحري تجاري وطني قوي وتنافسي. ويجب أن يركز هذا التفكير على:
- الإطار التشريعي الذي يجب أن يتماشى مع أفضل الممارسات على المستوى الدولي. إذ يبلغ عمر الإطار الحالي أكثر من قرن من الزمان.
- الإطار الضريبي الذي يجب، لكي يكون حافزا، أن يتماشى مع الممارسات الدولية في مجال الشحن التجاري.
- الإدارة البحرية التي يجب أن تتمتع بالكفاءة والنجاعة.
- التكوين النظري والتطبيقي الذي يجب استدامته وتحسينه من حيث الكم والنوع للأطر البحرية المدربين.
- خلق أوراش إصلاح السفن.
- التأمين البحري.
- تمويل الاستثمارات البحرية.
وهنا لابد من استحضار المحاور التالية، كان للظهير الشريف المتعلق بمجال الاستثمار البحري خلال السبعينيات من القرن 20 تأثيرا إيجابيا على المجال الذي تجسد من خلال مشاركة العلم الوطني في تجارة بلادنا بنسبة 20% بدلاً من 3%. وكانت السفن المغربية تنقل 8 ملايين طن بدلا من طن واحد قبل السبعينيات. وبلغ معدل تغطية التبادل التجاري آنذاك 25% أي 2.5 مليار درهم إلى جانب الخبرة والكفاءات التي لا تقدر بثمن للضباط والطاقم.
ولسوء الحظ، منذ سنة 2000 كان إلغاء ظهير 1962 وتحرير النقل البحري بمثابة ناقوس الموت لهذا الأخير الذي لا يزال حتى يومنا هذا إرثا من الماضي.
وبالإضافة إلى العامل التجاري والمالي في النقل البحري، هناك عامل الأمن الوطني حيث تكون مساهمته في النقل البحري عاملاً حاسماً، ورغم أن الحالات كثيرة إلا أننا لا نستطيع أن نذكر اثنتين منها:
- عندما قررت السلطات الإسبانية منع وطرد المنتوجات الفلاحية المغربية المنقولة بالشاحنات وعبر بلادها، كان الأسطول الوطني هو الذي ينقل المنتوجات المغربية إلى موانئ جنوب فرنسا، مما يسمح لبلادنا باحترام التزاماتها الدولية.
- بعد إغلاق المجال الجوي بين ليبيا والمغرب، كان أسطول الشركة الوطنية كوماناف COMANAV هو الذي أعاد العائلات المغربية المتبقية العالقة في ليبيا.
فقد حان الوقت لأن تفكر بلادنا في بناء أسطول تجاري وطني. هل من المعقول أن المغرب الذي يمثل في الآونة الأخيرة المصدر الرئيسي للفوسفاط في العالم، لن يكون لديه ناقلة قوية للبضائع السائبة؟ وباعتباره منتجاً مصدراً لحمض الفوسفوريك، يجب على المغرب أن يزود نفسه بالسفن الكيميائية. ويمكن قول الشيء نفسه عن نقل الخضر والحمضيات والمنتجات البترولية ونقل الركاب وما إلى ذلك. على أرض الواقع، لم تعد بلادنا تمتلك الوسائل المالية اللازمة لإعادة إنتاج قانون الاستثمار البحري لعام 1971، لكنها تستطيع التشريع بشأن: تعزيز التشريعات الضريبية الملائمة للنقل البحري، ملاءمة القوانين على غرار الدول البحرية، الى جانب تطوير المدونة البحرية المغربية ومراجعة أسلوب التدريب النظري والعملي للضباط.
ومن المتوقع إجراء إصلاحات أخرى، وخاصة الاجتماعية منها.
وفي الختام، وبنظرة تفاؤل للقادم من الأيام، لا تزال المملكة تمتلك مخزوناً بشرياً كبيراً متخصصاً في المجال البحري قادراً على تجاوز التحديات المطروحة أمام بلادنا.
صناعة السفن
لا يمكن الحديث عن بناء أسطول وطني قوي دون التفكير في تطوير صناعة السفن بالمغرب. فالمطلوب ليس فقط اقتناء السفن أو استئجارها، وإنما الانتقال تدريجياً إلى امتلاك قدرات وطنية في البناء والإصلاح والصيانة والتجهيز، بما يخلق قيمة مضافة وفرص شغل ويقلص التبعية للخارج.
وفي هذا السياق، دعت دراسة للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي حول «تطوير صناعة السفن في المغرب، كرهان حاسم لتقوية مسلسل التصنيع وتعزيز السيادة الاقتصادية»، إلى تطوير صناعة وطنية للسفن، باعتبارها رافعة أساسية لتقوية التصنيع وبناء أسطول وطني.
صحيح أن هناك أوراشاً مرتبطة بهذا المجال في الدار البيضاء وآسفي وأكادير، لكنها لا ترقى بعد إلى مستوى صناعة حقيقية ومتكاملة للسفن. ولهذا، ينبغي الاستفادة من التجارب الدولية الناجحة، خصوصاً النرويج في مجال سفن نقل المسافرين، وكوريا الجنوبية والصين واليابان في مجال بناء سفن الشحن والتكنولوجيا البحرية المتقدمة.
وتشير الدراسة إلى أن بإمكان المغرب رفع حجم صادراته بنحو 200 مليون دولار من خلال تطوير صناعة مكونات السفن وتجهيزاتها، بما يشمل سترات وأطواق النجاة، ومعدات الملاحة، والتجهيزات الإلكترونية وأجهزة الاتصالات، والمحركات الخارجية الصغيرة.
كما تقدر سوق صناعة السفن بالمملكة بنحو 500 مليون درهم سنوياً خلال الفترة الممتدة من 2012 إلى 2023، مع تركز النشاط أساساً في إصلاح السفن وصيانتها وبناء سفن وقوارب الصيد، التي صنع أغلبها من الخشب، فيما لا تمثل مساهمة القطاع سوى نحو 0.01 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي.
والمغرب يتوفر على مؤهلات مهمة لتطوير هذه الصناعة، في مقدمتها واجهة بحرية تمتد على طول 3500 كيلومتر، ومنطقة اقتصادية خالصة تبلغ مساحتها 1.2 مليون كيلومتر مربع، فضلاً عن بنية تحتية مينائية تضم 43 ميناءً، ويد عاملة ذات تكلفة تنافسية مقارنة بعدد من دول منطقة البحر الأبيض المتوسط.
كما يمكننا الاستفادة من التجربة الصناعية التي راكمها المغرب في قطاعات السيارات والطيران والبناء والصلب والإلكترونيات، من أجل نقل الخبرات والتكنولوجيا وتأهيل الكفاءات الوطنية لتطوير صناعة بحرية متكاملة.
ومن أجل تحقيق هذا الهدف، ينبغي أن تتضمن الاستراتيجية الجديدة إجراءات ملموسة لتحفيز الاستثمار، من بينها اعتماد نظام الضريبة على الحمولة باعتباره ضريبة موحدة لشركات الشحن البحري، على غرار ما هو معمول به في عدد من الدول الأوروبية، وإلغاء الضريبة عند المصدر على تأجير السفن، إلى جانب توفير تحفيزات في إطار ميثاق الاستثمار الجديد، وتطوير منتجات التأمين المرتبطة بهذا القطاع.






