في كل بيت مغربي اليوم، وفي كل سوق، وفي كل جلسة، يتردد نفس السؤال الذي لم يعد يحتمل التبرير ولا التأجيل: ارتفعت الأسعار في لحظة، فلماذا لم تنخفض بعد أن زالت أسباب ارتفاعها؟ لماذا صار الغلاء قدرا، وصارت لقمة العيش معركة يومية؟ والجواب الذي يجب أن يقال بكل شجاعة هو أن الأسعار لا تنخفض بالتمني، ولا بالخطاب، ولا بحملات المراقبة الموسمية. الأسعار ترتفع بقرار وتثبت بنظام، ترتفع في الأزمة وتثبت بعد الأزمة، لأن التاجر رفع السعر لأنه استطاع، وأبقاه مرتفعا لأنه لم يجد من يجبره على خفضه، ولأن المواطن تعود على السعر الجديد حتى صار هو الطبيعي الجديد. هذه هي الحقيقة الاقتصادية والسياسية معا، فالسعر ليس رقما فقط، بل هو ثقة، وهو عادة، وهو توقع، وهو منافسة، ومن لم يفهم ذلك سيظل يطارد الأسعار وهي تهرب منه إلى الأعلى.
لكن المغرب اليوم ليس هو مغرب الأمس، لأن على رأس الحكومة امرأة تعرف معنى الإرادة، وتعرف معنى القرار، وتعرف معنى الحسم. فاطمة الزهراء المنصوري ليست سياسية المنابر، ولا سياسية الشعارات، بل سياسية الميدان والقرار. قوتها ليست في الصوت المرتفع، بل في الهدوء الحازم الذي يسبق القرار، ليست في كثرة الكلام، بل في وضوح الرؤية، ليست في البحث عن الشعبية السريعة، بل في صناعة النتائج التي تدوم. لقد أثبتت في مراكش وفي الحكومة أنها لا تخاف من القرار الصعب، ولا تتهرب من المواجهة، ولا تؤجل الحسم. تعرف أن القيادة ليست إرضاء الجميع، بل اتخاذ القرار الصحيح في الوقت الصحيح وتحمل تبعاته. وهذا هو بالضبط ما يحتاجه ملف الأسعار اليوم: لا نحتاج حكومة تشرح الغلاء، نحتاج حكومة تكسر الغلاء، لا نحتاج حكومة تبرر، نحتاج حكومة تقرر، والمنصوري تقرر.
إن ترك الأسعار على حالها هو في حد ذاته قرار سياسي، وكسر ثباتها هو أيضا قرار سياسي، والفرق بين حكومة وحكومة ليس في التشخيص، فالجميع يعرف الداء، بل في الشجاعة، فالقليل فقط يملك الجرأة على وصف الدواء وتنفيذه، والمنصوري من هذا القليل. تملك الجرأة لتقول: سنفتح المعلومة حتى ولو كشفت المستور، لأن الحكومة القوية لا تخاف من المعلومة، بل تنشرها لأنها تثق في ذكاء المواطن، ومن يملك المعلومة يملك السعر. وتملك الجرأة لتقول: سنفتح السوق أمام المنافسين حتى ولو أغضبنا المستفيدين من الريع، لأن السعر لا ينخفض بالعصا بل بالمنافس، والمنافس لا يصنعه إلا قرار شجاع. وتملك الجرأة لتقول: سنحمي الضعيف دون أن ندعم السعر المرتفع، وسنوجه الدعم إلى من يستحقه فعلا، بشكل مباشر ومؤقت، لأن الدعم العام يريح الناس اليوم ويورط الاقتصاد غدا، والدعم الموجه يحمي الناس اليوم ويحرر الاقتصاد غدا. واختيار الدعم الموجه يحتاج إلى حكومة قوية لا تخاف من إغضاب المستفيدين من الريع، وهذه القوة متوفرة اليوم.
ومن هذه الإرادة ستولد التوقعات الاقتصادية الجديدة للمغرب، فالاقتصاد لا يتحرك بالأرقام فقط، بل يتحرك بالثقة، وعندما يرى المستثمر حكومة تقول ما ستفعله وتفعل ما قالته، ولا تغير القواعد في منتصف الطريق، فإنه يستثمر وهو مطمئن. ولهذا ستعود الثقة، وسيعود الاستثمار الوطني والأجنبي، وستتحرك المشاريع الكبرى في الطاقات المتجددة والصناعة والسياحة والبنية التحتية. وسيتحول النمو من نمو رقمي يظهر في التقارير ويغيب عن حياة الناس، إلى نمو حقيقي يخلق فرص الشغل، ويحرك المقاولات الصغيرة والمتوسطة، ويدعم العالم القروي، ويمنح الشباب فرصة حقيقية، لأن المنصوري تؤمن أن النمو الذي لا يصل إلى المواطن هو نمو ناقص، وأن التنمية التي لا تخلق الشغل هي تنمية عرجاء. وستتحول الدولة الاجتماعية من شعار إلى واقع، من تعميم التغطية الصحية إلى دعم الأسر الهشة، إلى سكن يحفظ الكرامة، إلى تعليم يصنع المستقبل. هذه ليست وعودا انتخابية، بل هي إرادة سياسية تعرف أن الكرامة تبدأ من الصحة ومن السكن ومن الدخل الذي يحفظ ماء الوجه.
إن المغرب في ظل التحولات الدولية ليس دولة هامشية، بل دولة محورية، بموقعه وباستقراره وبمؤسساته، وحكومة المنصوري ستستثمر هذا الموقع لتجعل المغرب جسرا بين إفريقيا وأوروبا، ومركزا للصناعة والطاقة النظيفة، وقوة اقتصادية يحسب لها الحساب، لأن العالم اليوم لا يحترم من يشرح، بل يحترم من يقرر، والمنصوري تقرر. ولهذا فإن التوقعات الاقتصادية لحكومة المنصوري ليست تفاؤلا عاطفيا، بل هي قراءة سياسية لواقع جديد، واقع حكومة تملك القوة الهادئة والإرادة الحازمة والرؤية الواضحة، حكومة لا تخاف من القرار الصعب، ولا تؤجل الحسم، ولا تبيع الوهم.
المغاربة اليوم لا ينتظرون معجزة، بل ينتظرون حكومة تحسم، وحكومة المنصوري هي حكومة الحسم. والتاريخ لا يحاكم الحكومات على ما قالته عن الغلاء، بل على ما فعلته لكسره. واليوم أمام حكومة المنصوري فرصة تاريخية لتثبت أن الإرادة السياسية عندما تكون صادقة، قادرة على أن تغير السوق، وأن تعيد للمواطن ثقته، وأن تصنع الفرق الذي انتظرناه طويلا. فالمغاربة لا يطلبون المستحيل، يطلبون فقط أن يروا أن حكومتهم تفهم أن السعر ليس رقما بل هو ثقة، وهو عيش يومي، وهو كرامة، ومن يملك القوة والإرادة لحماية هذه الكرامة، سيصنع التاريخ، والمنصوري تملكهما معا.






