قضايا

التكنوقراط أم المناضل السياسي؟ من يحكم المغرب أحسن؟ سؤال يحسم مصير الحكومات

محمد المنصوري (مستشار برلماني سابق)

في كل مرة تتشكل حكومة جديدة في المغرب، يعود نفس السؤال الذي يحير الجميع: هل نعين وزيرا تكنوقراطيا خبيرا، أم وزيرا مناضلا سياسيا من الحزب؟


هذا ليس سؤالا أكاديميا، هذا سؤال يحدد هل سينجح الوزير أم سيفشل، وهل سيخدم المواطن أم سيخدم حزبه.


فلنسم الأشياء بمسمياتها.


*أولا: من هو الوزير التكنوقراط؟*


التكنوقراط هو الخبير، ابنة المدارس الكبرى، ابن الإدارة، ابن الأرقام. يصل إلى الوزارة ليس لأنه فاز في الانتخابات، بل لأنه يفهم في المالية أو الطاقة أو الصحة.


*ما هي قوته؟*


*1. يعرف الملف من اليوم الأول:* لا يحتاج إلى 6 أشهر ليفهم وزارته. يدخل ويشتغل. يعرف لغة صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، ويطمئن المستثمرين والأسواق.


*2. لا يخاف من أحد:* ليس لديه قاعدة انتخابية يرضيها، ولا حملةp انتخابية يمولها. قراره يبنى على الربح والخسارة، وليس على "ماذا سيقول الناخبون؟"


*3. رجل الأزمات:* في أزمة مالية أو صحية، التكنوقراط هو رجل المرحلة، لأنه يعالج بالأرقام وليس بالشعارات.


*وما هو ضعفه القاتل؟*


التكنوقراط لا يعرف نبض الشارع. يرى المواطن كرقم في جدول إكسل، وليس كإنسان له كرامة ومعاناة. قراره قد يكون صحيحا اقتصاديا، لكنه مدمر اجتماعيا، لأنه نزل من فوق، بدون شرعية انتخابية، وبدون قدرة على إقناع الناس. يتكلم بلغة تقنية لا يفهمها أحد، فيفشل في التواصل، وتخرج الناس للاحتجاج ضده.


*ثانيا: من هو الوزير المناضل السياسي؟*


المناضل هو ابن الحزب، ابن الميدان، ابن الصناديق. يصل إلى الوزارة لأنه يمثل برنامجا انتخبه الشعب.


*ما هي قوته؟*


*1. لديه شرعية:* هو ضامن العقد مع الناخبين. عندما يتكلم، يتكلم باسم ملايين صوتوا لحزبه. لديه القوة ليتفاوض مع النقابات، ويدافع عن ميزانيته، ويواجه البرلمان.


*2. يعرف الشارع:* يعرف متى يجب أن يتراجع، ومتى يجب أن يشرح، ومتى سيغضب الناس. لديه فن الإقناع الذي لا يملكه التكنوقراط.


*3. يمثل رؤية:* لا يدير وزارة كشركة، بل ينفذ مشروعا مجتمعيا.


*وما هو ضعفه القاتل؟*


قد يكون المناضل وفيا لحزبه، لكن جاهلا بوزارته. يعين للولاء وليس للكفاءة. يفضل المشاريع القصيرة التي تعطي صورة جميلة في الانتخابات المقبلة، على الإصلاحات العميقة التي تحتاج 10 سنوات ولكنها غير شعبية. وقد يسقط في الزبونية، فيعين أصدقاءه بدل الكفاءات، ويحكم بالإيديولوجيا بدل الواقع.


*ثالثا: الحقيقة التي لا يريدون قولها*

**معيار المقارنة****الوزير التكنوقراط****الوزير المناضل السياسي**

**مصدر الشرعية**الكفاءة والشهادةصوت الشعب والحزب

**الهدف الأول**النتيجة والفعاليةاحترام البرنامج والفوز في الانتخابات

**طريقة التدبير**عقلانية، بالأرقاماجتماعية، استراتيجية

**نقطة القوة**الخبرة والحيادالقدرة على التعبئة والإصغاء

**الخطر الأكبر**القطيعة مع الشعب والجمودالجهل التقني والشعبوية

*الخلاصة: المغرب لا يحتاج إلى هذا أو ذاك.. يحتاج إلى الاثنين معا*


والجواب الصحيح ليس في الاختيار بينهما، بل في التزاوج بينهما حسب نوع الوزارة والظرف.


*وزارات تقنية بامتياز* مثل المالية والطاقة والصحة والعدل، تحتاج إلى صرامة التكنوقراط. لا يمكن أن نسلم ميزانية دولة لمناضل لا يفرق بين العجز والفائض.


*وزارات ذات بعد اجتماعي وهوياتي* مثل الداخلية والتعليم والشغل، تحتاج إلى حس السياسي، إلى من يعرف المغرب العميق، وليس فقط تقارير البنك الدولي.


والنموذج المثالي الذي نجح في العالم كله هو *الهجين:*


وزير سياسي قوي لديه رؤية استراتيجية، وتحته ديوان من التكنوقراط من الطراز الأول، أو العكس: وزير تكنوقراط محاط بكتاب دولة سياسيين يربطونه بالبرلمان وبالشارع.


*المغرب اليوم لا يحتاج إلى وزير يتكلم لغة الأرقام فقط فينفر منه الشعب، ولا إلى وزير يتكلم لغة الشعارات فقط فيفلس الدولة.*


*المغرب يحتاج إلى وزير يملك عقل التكنوقراط وقلب المناضل. من يجمع بينهما، ينجح. ومن يفصل بينهما، يفشل.*