قضايا

المواطنة: ترجمة الإنتماء

منير لكماني

    تتردد كلمة المواطنة كثيرا في المجالس والجرائد وصفحات التواصل، حتى كادت تفقد بريقها من كثرة الإستعمال. غير أن معناها الحقيقي لا يسكن في الشعارات ولا يكتمل بالإنفعال، بل يظهر حين يتحول الإنتماء إلى سلوك منضبط، وحين يشعر الفرد أن كرامته مصونة، وأن صوته مسموع، وأن واجبه لا يقل وزنا عن حقه. عندئذ فقط تخرج المواطنة من دائرة الكلام إلى دائرة الفعل، وتصبح جسرا من الثقة بين الإنسان والمؤسسات، لا حبلا يشد أحدهما الآخر.

جوهر لا يشيخ

المواطنة ليست بطاقة تعريف ولا لقبا أيديولوجيا. هي علاقة واضحة المعالم بين الفرد والكيان العام الذي ينظم الحياة المشتركة. جوهرها بسيط: حقوق تضمن العيش الكريم، وواجبات تحفظ النظام وتمنع الفوضى. حين يلتزم الإنسان بالقانون ويؤدي ما عليه بصدق، ينتظر بالمقابل خدمة عادلة، ومعاملة متساوية، وحماية من التعسف. وحين تتخلف جهة عن دورها، يختل التوازن، ويبدأ الناس في البحث عن بدائل ضيقة: عصبية، وساطة، خوف، أو صمت يبتلع الكلام.

عقد الثقة

تقوم المواطنة على ما يشبه العقد الأخلاقي. لا يفرضه الحبر، بل تفرضه فكرة العدل نفسها. هذا العقد يطلب من الفرد أن يحترم المجال العام: الطريق، المدرسة، المستشفى، المال المشترك، وحق الآخر في الاختلاف. ويطلب من المؤسسات أن تؤمن شروط الإنصاف: فرص متقاربة، إجراءات مفهومة، ومسارات تظلم واضحة، وقضاء يحمي الضعيف قبل القوي. وحين يتعلم الناس أن المصلحة العامة ليست شيئا بعيدا، بل امتداد لبيوتهم، تتسع دوائر الثقة، ويقل منسوب التوتر اليومي.

جذور العدل

قد يظن البعض أن المواطنة فكرة طارئة، ولدت مع الدولة الحديثة وحدها. لكن التأمل في التاريخ يبين أن البحث عن العدل أقدم من المصطلحات. حضارات متعددة حاولت وضع قواعد تحد من البطش وتضبط علاقة الناس ببعضهم. ظهرت هذه المحاولات في مدونات قانونية مبكرة، وفي حكم وتعاليم أخلاقية شددت على احترام الإنسان ونبذ الاستعلاء. لم تكن تلك التجارب كاملة، لكنها رسخت فكرة حاسمة: المجتمع لا يستقيم بلا معيار للحق، ولا يهدأ بلا ميزان للواجب.

مؤسسات تحمي

تتعاظم قيمة المواطنة حين تتجسد في مؤسسات قوية لا تهين المواطن ولا تذله. المؤسسات هنا ليست بنايات وإدارات فقط، بل نظام يضمن أن القاعدة تطبق على الجميع. عند غياب هذا المعنى، يتراجع الشعور بالانتماء، ويصير القانون زينة على الورق، وتصبح الاستثناءات هي القاعدة. وعندما يلمس الناس أن الإجراءات عادلة، وأن الكفاءة تفتح الأبواب، وأن الشكوى تجد أذنا صاغية، يبدأ المواطن في حماية النظام لا خوفا، بل اقتناعا. وحين يرى الشاب طريقا واضحا للمستقبل، وتتلقى الأسرة خدمة محترمة، ويشعر العامل أن جهده مقدر، تتحول المواطنة إلى طاقة بناء لا إلى مرارة صامتة.

صوت بلا ضجيج

المواطنة لا تكتمل من دون مشاركة. المشاركة ليست صراخا ولا خصومة دائمة، بل حضور واع في قضايا الحي والمدرسة والعمل، ومراقبة محترمة، واقتراح بدائل، وتعاون على الإصلاح. القارئ المحافظ بطبعه يقدر الاستقرار، ويكره الفتنة، ويحب الاحترام. لهذا يستطيع أن يجعل المشاركة عملا متزنا: ينصح دون تجريح، ينتقد دون تهكم، ويطالب بحقه دون أن يهدم قيمة النظام. هكذا تتحول المشاركة إلى أمان اجتماعي، لا إلى صدام.

تفاصيل تكشف

تظهر المواطنة في التفاصيل الصغيرة قبل العناوين الكبرى: احترام الطابور، حفظ نظافة المكان، أداء الواجبات المهنية بأمانة، وعدم التعدي على حق الجار. وتظهر أيضا في المواقف الفاصلة: رفض الرشوة، عدم تبرير الظلم، نصرة المظلوم، والتمسك بالإنصاف حتى عندما يكون ضد مصلحة قريبة. هذه الامتحانات اليومية هي التي تصنع الفارق بين مجتمع يثق في نفسه، ومجتمع يرهقه الشك ويستنزفه التبرير.

لحظة صدق

المواطنة مرآة لضمير الجماعة: كلما اتسعت العدالة، اتسع الانتماء. وكلما ضاقت فرص الناس، ضاقت القلوب. فأي علاقة نريدها بالمجال العام: علاقة خوف أم علاقة ثقة؟ هل نربي أبناءنا على طلب الحق مع أداء الواجب، أم على انتظار الحلول من بعيد؟ وكيف نجعل القانون مألوفا لا مخيفا، والاختلاف منظما لا مهددا، والمشاركة عملا هادئا لا ضجيجا؟ أسئلة تبقى مفتوحة، لأن الإجابة عنها تبدأ من سلوك اليوم، لا من وعود الغد.