كل شيء يخرج من حياتك يترك خلفه مساحة، وهذه المساحة ليست خسارة كما نعتقد، بل فرصة صامتة لإعادة بناء ما تهدم داخلك.
أحياناً لا نفهم حكمة الفراغ إلا بعد أن يهدأ الألم، فنكتشف أن ما رحل كان يزاحم شيئاً أجمل كان يحاول الدخول منذ زمن. عندما يغادر أشخاص، أو تُغلق أبواب، أو تنتهي مراحل كنا نتمسك بها، نشعر أولاً بالوحدة.
لكن الحقيقة أن هذا الفراغ هو بداية ترتيب جديد لحياتك. هو مساحة تساعدك على رؤية نفسك بوضوح، على سماع صوتك الداخلي من دون ضجيج، وعلى اختيار الأشياء التي تشبهك فعلاً، لا التي اعتدت عليها خوفاً من التغيير.
المساحة الفارغة ليست دعوة للملء السريع. أحياناً نندفع نحو أي شيء فقط لنهرب من الشعور بالفقد، فنملأ قلوبنا بما يقل عن قيمتنا. لكن الحكمة هي أن نترك هذه المساحة تتنفس قليلاً … أن نسمح لها بأن تنظف ما علق بداخلنا من تعب وأخطاء وتَعَلُّقٍ زائد. فالأماكن المزدحمة لا تسمح للحقيقة بالدخول، ولا تمنح للفرص مكاناً لتتشكل. حين نتقبل خروج ما لم يعد يناسبنا، نصبح قادرين على استقبال ما هو أنضج، أنقى، وأكثر انسجاماً مع طريقنا. كل علاقة راحلة، كل عادة تركناها، كل باب أغلق، ليس نهاية… بل بداية لمرحلة جديدة تتطلب قلباً أخفّ وعقلاً أوضح.
وتأتي اللحظة التي تفهم فيها أن ما خرج لم يكن عقاباً، بل مساحة كي تستعيد نفسك. كي تكبر. كي تتعلّم. وكي تمنح الحياة فرصة أن تفاجئك بشيء أجمل لم يكن ليجد طريقه إليك لو بقي كل شيء كما هو. فالفراغ ليس نقصاً، بل دعوة لطاقة جديدة، ولبداية أنقى. وما دمت قادراً على احترام هذه المساحة، وعدم ملئها بما لا يليق، ستدخل حياتك أشياء ليست فقط جديدة… بل مناسبة، وهادئة، وممتلئة بالمعنى الصحيح.






