أتعجب كثيرا مما صار بعض المثقفين العرب والمغاربة يخوضون فيه من قضايا تتعلق بالأصول ما قبل الإسلامية في المشرق والمغرب معا. وكأن كل المشاكل التي يتخبط فيها العالم العربي لم تتولد إلا مع دخول العرب التاريخ، وكأن البديل الذي يخرجنا مما نتخبط فيه ليس سوى النبش في الأصول ما قبل الإسلامية لاستعادة الأمجاد والتفاخر بها، وتقديمها في العالم المعاصر باعتبارها الحل الأمثل لجعل المنطقة تحتل موقعا بين الدول، بل وتتفوق على أمريكا، وهي تتراجع، أمام بدايات صعود الصين والهند والبرازيل. لست أدري، وأنا أثير الصين هنا، هل ما حققته في زمن قياسي يؤوب إلى رجوعها إلى تاريخها العريق ذي الإمبراطوريات العظيمة، والتي خلفت آثارا ملموسة، وواضحة للعيان تعود إلى آلاف السنين، وهي ما تزال ماثلة إلى اليوم؟ أم إلى شيء آخر يقطع مع الأصول؟
في أول زيارة لي للصين تكشف لي أن ما نقوله عن الغرب وحضارته وعراقته لا يساوي قلامة ظفر أمام الآثار العظيمة الشاهدة على حضارة حقيقية وأصيلة. ولست أدري أيضا هل النقاش حول الهوية بين من يرون أن أرضهم هي لإنسان أول من عائلة صينية ما، وأن الآخرين طارئون عليها ومحتلون؟ وعليهم أن يعودوا من حيث أتوا؟ عندما رأيت الشباب الصيني كيف كان يتحرك في فرنسا، وكيف يحتل مواقع مهمة في الجامعة الفرنسية، وكيف يشترون أحياء بكاملها لإقامة محلات للتجارة الإلكترونية، وأراهم الآن كيف يحتشدون في مطارات العالم بهمة ونشاط وثقة في النفس للتعرف على البلاد والعباد، والتفكير في مشاريع مهمة بينما بعض الشباب المغاربي، والعربي، كل حلمه الهجرة رغم قساوة عيش من هاجر منهم وعنفه.
هل السبب في هذه الفروق بيننا وبين غيرنا يعود إلى أننا ننبش قبور التاريخ لإعادة كتابته وفق أهوائنا، في الوقت الذي نجد الآخرين يبنون عوالم المستقبل الذي يتحكم في البشرية جمعاء؟ هل مشكلتنا في: من نحن؟ أم ماذا نريد؟ إن ما نريده ليس وليد التاريخ العريق الذي لا نتنكر له. إنه نتاج القطيعة التاريخية الحديثة التي اصطنعها الاستعمار والإمبريالية والصهيونية الذين هندسوا لنا تاريخنا وجغرافيتنا اللذين نعيشهما الآن: أوطان مفككة، وهويات، وأديان، وطوائف، ولغات. لم تكن هذه الأوطان والهويات وما يتصل بها قبل الاستعمار مطروحة رغم ما عرفه التاريخ العربي الإسلامي من صراعات، وحروب داخلية. ظل المغربي يتحرك في جغرافيا واسعة بحرية: يتعلم، يحج، يخلف أولادا، وقد لا يعود إلى محل ولادته. ولد الاستعمار الفرقة ليس فقط بين الجغرافيا ولكنه عمل أيضا على التفريق بين الشعب الذي تربطه وشائج القرابة والمصاهرة، والمصلحة المشتركة. فزعم أن لكل قبيل هوية وتاريخ ولغة، وعلى كل منهما ان ينفرد بهويته، وخصوصيته، وهم يشجعونه على ذلك، ويدعمونه بكل الوسائل. وتجد اليوم، بهوس الأصول يدافع عن الظهير البربري، وكل سوءات التاريخ ينسبها للحركة الوطنية التي تكبدت كل الصعاب والمحن إلى جانب المقاومة الشعبية المغربية التي لم تكن تفرق بين المغاربة على أي أساس لأن العدو كان واحدا.
إن كل التاريخ الحديث هو سبب كل المشاكل التي نتخبط فيها، وقد صارت ذات طبيعة بنيوية ووظيفية، ولا علاقة لها بالتاريخ الإسلامي، ولا بما قبله، سواء في المشرق أو المغرب. إنها بنيوية لأن العامل الخارجي (الغرب تحديدا) لم يخرج من الباب، إلا بعد أن خلف وخلق كل معيقات التطور والتقدم، وظل يعمل إلى اليوم على ذلك. إن البنيات التي خلفها، والذهنيات التي رباها على ان تكون خليفته، وقد دعمها بكل الوسائل التي تتيح له الاستمرار في الإبقاء على المنطقة تابعة له. لذلك نجده يدعم كل المؤسسات والسلط التي سارت في ركابه، فدافع عنها للإبقاء عليها، والتي أعلنت رفضها له عمل بكل الوسائل للقضاء عليها وتمزيق وحدتها بتشجيع الطائفية والتفرقة بينها (العراق مثلا). وكل الدول العربية تقدم لنا ما لا يحصى من العوائق في تاريخها الحديث.
أما المشاكل الوظيفية فتتمثل في كيفية مواجهة الاستعمار. وحد النضال ضد الاستعمار كل القوى الشعبية مهما كانت أديانها ولغاتها بدون عقدة الدين أو اللغة. كانت للمثقفين أدوار في محاولة مواجهة مخلفات الاستعمار. لكن المشكلة الجوهرية، في قراءتي لسردية تاريخنا الحديث ظلت كامنة في سؤال: من نحن؟ وترجمته الوظيفية: نحن مع من ضد من؟ لم يولد هذا السؤال غير الصراع الفكري والثقافي بين من يقول بالأصالة أو المعاصرة: التي أعتبرها الثنائية العويصة. ولما كانت السياسة رافعته كانت المصلحة الخاصة للأطراف المتصارعة، ومن يدعمها غربا وشرقا هي المهيمنة. فغاب السؤال الحقيقي: ماذا نريد؟
فرحت الشعوب بالاستقلال لتعيش حرة واحدة موحدة، وذات كرامة لمواجهة كل المحاولات التي ترمي إلى استمرار الفقر والأمية والجهل، والتخلف، لكنها وجدت نفسها فريسة الصراعات السياسوية التي تخدم الاستعمار الغربي الذي «يدافع» عنها، من جهة. وكان للانقلابات العسكرية ذات التوجه الشرقي أثره في تمزيق وحدة شعوب المنطقة باسم التصدي للاستعمار تحت أسماء الوحدة والاشتراكية، فلم تحقق أيا منهما، وظلت لا تختلف عن نظيرتها التابعة للغرب، من جهة ثانية.
ها بعض المثقفين يستعيد سؤال من نحن؟ وهو يعلن، أنا: ملحد/ مسلم/ مسيحي/ سني/ شيعي/عربي/ كوردي/ موري/ قبطي/ سومري/ فينيقي… لكن الشعب لا يهمه سؤال: من أنت؟ إنه يعرف نفسه. الشعب في حياته اليومية يريد: السلام مع من يعيش بينهم وبأمان، ولا يهمه جدك الأول، ولا أصله، ولا فصله. يريد الخبز. يريد الحرية والأمن. إذا كنتم تستكثرون عليه لقمة العيش وحب الحياة لا عجب أن تطلبوا له الفرقة والعيش في رهاب الموت.






