نعم من حق الصحافي أن يسأل وينتقد ويناقش.
لكن قبل ذلك يجب عليه أن يتوفر على الخبر الدقيق كي يبني آراءه عليه.
ومن بين ما يجب أن يكون على علم به أن المغرب يتعرض حاليا لنفس الاضطرابات الجوية التي تتعرض لها البرتغال وإسبانيا وكذا فرنسا، ويجب أن يفهم أن هذه البلدان، تنتمي إلى نفس المجموعة في إطار التقسيم الذي وضعته المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، وهي بلدان تنسق فيما بينها على مستوى التوقعات الجوية، وتنقل المعلومات فيما بينها حول كل ما يتعلق بالعواصف المنتظرة، وتعطي تقييما للأخطار التي تهددها جراء ذلك.
كما يجب على الصحافي الذي يريد أن يعطي رأيه في مثل هذه القضايا المتعلقة بالاضطرابات الجوية وبالعواصف والفيضانات والسدود والقناطر، وأن يتحاور في الأمور التقنية المرتبطة بها، أن يعرف أن هذه البلدان تتشاور فيما بينها بالضرورة، من خلال لجان اليقظة التي يتم إحداثها في لحظات توقع خطر، وأن القرارات حين يتم اتخاذها في هذه البلدان وفي غيرها من بلدان المجموعات المنتظمة ضمن المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، تكون مبنية على أساس المعلومات التي لدى كل بلد، وإن توصل المسؤولون المتخصصون في الأرصاد الجوية في كل بلد إلى معلومات تشير إلى أن هناك أخطارا متوقعة بسبب التقلبات الجوية، وأن هناك نسبة معينة من الشك حول حدوث كارثة بسبب الأمطار الغزيرة والعواصف الهوجاء وما يمكن ان يترتب عن ذلك من تأثير على حقينة السدود وعلى منسوب مياه الأنهار، فإن القرار الموصى به هو إجلاء السكان، وليس تهجيرهم. لأن التهجير هو عملية تقوم بها سلطة بشرية غاصبة، تنفذها قسرا ضد السكان، ويكون الهدف منها هو السطو على البيوت وسلب الممتلكات.
أما الإجلاء فهو عملية طوعية ناتجة عن قوة قاهرة.
في حالة مدينة القصر الكبير، وأنا واحد ممن لدي فيها أهل وعائلة وأصهار وأصحاب وأقرباء، لم نتعرض على الإطلاق لأية عملية تهجير.
بل استجبنا لعملية إجلاء، وهي عملية تجاوب معها أهلي وأقاربي طواعية، بعد أن استوعبوا طبيعة الخطر الذي يهددهم، علما أن منهم من هم مرضى بأمراض مزمنة، ومنهم من يعاني من ضيق ذات اليد، ومنهم من هم من ذوي الدخل المحدود جدا، بل منهم عمال وحرفيون يتقاضون أجورهم حسب ما يجنونه من عملهم اليومي الحر ، ومع ذلك اعتبروا أن الأمر يدخل في إطار النكبات التي يتعرض لها الإنسان في مختلف مناطق العالم بسبب الكوارث الطبيعية، وقبلوا أن يغادروا أحياءهم وبيوتهم، مفضلين ذلك على زهق الأرواح، وحتى لا يقع ما حدث في البرتغال على سبيل المثال، حين لم تقم السلطات بإجلاء الناس من المناطق المهددة بشكل مسبق، فوقعت الكارثة، وقضى عدد من الأشخاص نحبهم بسبب فيضانات الأنهار.
نعم إن هؤلاء المواطنين الذين تم إجلاؤهم يعانون من مشاكل حاليا، وهناك مسؤولية ملفاة على عاتق المؤسسات الحكومية كي تخفف من معاناتهم إلى أن يعودوا إلى ديارهم.
لكن اعتبارهم بأنهم أشخاص مُهَجّرون فيه تحطيم لمعنوياتهم، وتحريض لهم على التمرد والعصيان، في فترة عصيبة يمرون منها، ويحتاجون فيها إلى الإحساس بأن المغاربة كلهم معهم، وأنهم يشعرون بمحنتهم، إلى أن تنفرج كربتهم في القريب العاجل، ويعودوا إلى بيوتهم في أمن وأمان.
وهذا ما كان.






