أفكر، منذ مدة، في التحول الهادئ الذي طرأ على علاقة المواطن المغربي بالسياسة. لا أتحدث عن المواقف المعلنة، ولا عن نتائج الانتخابات، بل عن ذلك الشعور الداخلي الذي كان يجعل المواطن يعتبر نفسه جزءا من العملية السياسية، حتى حين كان غاضبا منها. هذا الشعور تحديدا يبدو اليوم أقل حضورا مما كان.
في السابق، كان التفاعل مع السياسة يحمل قدرا من التوتر الحي.المواطن ينتقد، يسخر، يغضب، ويناقش. لم يكن راضيا دائما، لكنه كان معنيا. كان يعتبر أن ما يحدث يرتبط به، وأن صوته، حتى إن كان محدود الأثر، يظل جزءا من المعادلة. اليوم، ألاحظ أن هذا الإحساس تراجع. ليس بالضرورة لأن المواطن صار راضيا، بل لأن علاقته بالنتيجة لم تعد واضحة كما كانت.
أحد المؤشرات البارزة على ذلك هو تغير طبيعة الانتظارات. لم يعد المواطن ينتظر من السياسة أن تغير مسار حياته بشكل جذري، بل صار ينتظر منها أن تحافظ على قدر من الاستقرار. هذا التحول في سقف التوقعات مهم، لأنه يعكس انتقال السياسة، في وعي المواطن، من مجال لإنتاج التحول، إلى مجال لتدبير الواقع.
في تقديري، هذا التحول لا يرتبط فقط بأداء الفاعلين السياسيين، بل أيضا بطبيعة المرحلة نفسها. الدولة المغربية، خلال السنوات الأخيرة، عززت حضورها المؤسساتي، وأطلقت مشاريع كبرى، ورسخت خطابا قائما على الاستمرارية والاستقرار. هذا عزز صورة الدولة كفاعل مركزي، لكنه، في المقابل، قلص نسبيا مساحة السياسة باعتبارها مجالا للصراع بين بدائل مختلفة.
تتقدم الدولة كمحور للاستقرار، فتتراجع السياسة كمجال للتغيير. وحين تتراجع فكرة التغيير، يعيد المواطن، بشكل تلقائي، تعريف موقعه. لم يعد يرى نفسه فاعلا مباشرا، بل صار أقرب إلى متابع.
هذا لا يعني أن المواطن فقد اهتمامه بالشأن العام، بل يعني أن طبيعة هذا الاهتمام تغيرت. صار أكثر تحفظا، أقل اندفاعا، وأحيانا أكثر شكوكا في جدوى الانخراط السياسي بصيغته التقليدية.
في نظري، أخطر ما في هذا التحول ليس نتائجه المباشرة، بل دلالته العميقة. لأن السياسة، في جوهرها، لا تقوم فقط على المؤسسات، بل أيضا على ذلك الشعور المشترك بأن المشاركة تحدث فرقا، ولو على المدى البعيد. حين يضعف هذا الشعور، تستمر السياسة شكليا، لكنها تفقد جزءا من حيويتها.
المفارقة أن هذا يحدث في سياق يتسم بقدر كبير من الاستقرار المؤسساتي. وهذا الاستقرار، رغم أهميته، يطرح سؤالا موازيا: كيف يمكن الحفاظ على توازن دقيق بين استمرارية الدولة، واستمرارية الإحساس العام بجدوى السياسة.
أعتقد أن هذا أحد الأسئلة الكبرى التي تطرحها المرحلة الحالية في المغرب. ليس لأن هناك أزمة ظاهرة، بل لأن هناك تحولا هادئا في موقع المواطن داخل المعادلة السياسية.
هذا التحول لا يعلن نفسه، لكنه، مع الوقت، يعيد تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع بطريقة عميقة..وفهمه، في تقديري، أصبح ضروريا أكثر من أي وقت مضى..






