“بدّل ساعة بساعة” مثل مغربي نقوله حين يضيق الصدر وتتوتر الأعصاب؛ دعوة هادئة إلى تغيير اللحظة بدل الاستسلام لانفعالها. الزمن في هذا القول ليس رقما، بل حالة. ساعة ضيق يمكن أن تعقبها ساعة سعة. وكأن المخيال الشعبي أدرك، بفطرته، أن الإنسان يعيش في الإحساس أكثر مما يعيش في العقارب.
هذا الصباح، استيقظ إبني بعد نوم كاف، نظر إلى الضوء المتسلل من النافذة، ثم إلى الساعة، وقال ببساطة: “هذا هو التوقيت الطبيعي… متى نتخلص من الساعة الإضافية؟”
سؤال بريء في لغته، عميق في دلالته. لأنه يضعنا أمام مفارقة: حين تتطابق الشمس مع الجسد، لماذا يختلف الرقم على الحائط؟
منذ اعتماد التوقيت الإضافي بشكل شبه دائم، صار الفرق بين الزمن الفلكي والزمن الإداري جزءا من يوم المغاربة، خصوصا في الشتاء. مدارس تُفتح قبل الشروق، أطفال يغادرون بيوتهم في عتمة باردة، موظفون يبدأون أعمالهم وأجسادهم لم تكمل انتقالها الطبيعي من النوم إلى اليقظة. قد تبدو المسألة ستين دقيقة فحسب، لكنها في علم الإيقاع البيولوجي ليست تفصيلا. الساعة الداخلية للإنسان المرتبطة بالضوء الطبيعي تنظّم النوم واليقظة وإفراز الهرمونات ومستوى الانتباه. إذا فُرض تقديم دائم للوقت، ينشأ توتر خفي بين ما يراه الجسد وما تمليه الإدارة.
المدافعون عن الساعة الإضافية يستندون إلى منطق اقتصادي: مواءمة مع الشركاء الأوروبيين، تسهيل المبادلات، ترشيد للطاقة. غير أن المقاربة المتوازنة تقتضي إدخال كلفة أخرى في الحساب: كلفة الإرهاق الصباحي، تراجع التركيز، اضطراب النوم، وتراكم التوتر داخل الأسر. الإنتاجية لا تُقاس بعدد الساعات فقط، بل بجودة الحضور الذهني داخلها. والاقتصاد، في نهاية المطاف، يخدم المجتمع لا العكس.
ثمة بعد رمزي أيضا.. حين تقول الساعة السابعة بينما السماء ما تزال في هيئة السادسة، ينشأ تنافر إدراكي بسيط لكنه متكرر. الطفل يلتقطه فورا، الراشد يتأقلم، غير أن التأقلم ليس مرادفا للانسجام. وربما لهذا نلحظ، كلما عدنا مؤقتا إلى التوقيت الأصلي في رمضان، شعورا عاما بقدر من التوافق الصباحي، كأن الجسد الجماعي يسترد إيقاعه ولو إلى حين.
المسألة ليست حنينا إلى ماض أبسط، ولا رفضا لمقتضيات العصر، بل دعوة إلى نقاش علمي رصين يوازن بين منطق السوق ومنطق الصحة النفسية. أن نضع على الطاولة معطيات الطب وعلم النفس والتربية إلى جانب مؤشرات الطاقة والتجارة. أن نسأل: هل تخدم الساعة الإضافية المجتمع فعلا، أم أن المجتمع يتكيف معها على حساب هدوئه الداخلي؟
“بدّل ساعة بساعة” كانت نصيحة لتخفيف الأعصاب..وربما آن الأوان أن نقرأها حرفيا، لا احتجاجا، بل بحثا عن انسجام بسيط: أن يستيقظ طفل على ضوء يوافق ساعته، وأن يبدأ مجتمع يومه في توقيت يشبهه.






