قد نطرح سؤال الحكم الذاتي باعتباره لحظة سياسية تعيد ترتيب أولويات الدولة، أو باعتباره خيارًا استراتيجيًا يهم توزيع الاختصاصات بين المركز والجهة. لكن الأهم من ذلك كله هو السؤال المؤسسي: هل نحن مستعدون لإعادة بناء هندسة القرار والعدالة معًا، أم سنكتفي بنقل الصلاحيات دون نقل آليات الحسم والمساءلة؟.
تنزيل الحكم الذاتي أو تعميق الجهوية المتقدمة لا يعني فقط إعادة توزيع إداري للاختصاصات. إنه يفتح تلقائيًا سؤال التنازع: من يحسم إذا اختلفت الجهة والحكومة المركزية؟ هل يكفي الإطار الحالي للقضاء الإداري، أم أن المرحلة تقتضي بنية أوضح، تضطلع بوظيفة الحسم بين مستويات الحكم، وتضمن انسجام النصوص والقرارات مع الدستور ومبدأ التفريع؟.
الأمر ليس تقنيًا بحتًا.
أي نموذج حكم ذاتي بلا وضوح قضائي قد يتحول إلى مجال توتر مؤجل.
والأمن القانوني، خصوصًا في لحظات التحول، ليس ترفًا تنظيميًا بل شرط استقرار.
ثم يبرز سؤال لا يقل حساسية: المهن شبه القضائية والقانونية المستقلة، وفي مقدمتها المحاماة.
هل سيُعاد تنظيمها بمنطق الضبط المركزي، أم بمنطق الشراكة في إنتاج العدالة داخل نموذج متعدد المستويات؟
هل يمكن الحديث عن حكم ذاتي فعّال دون تمكين المحامين من الاشتغال بحرية واستقلال داخل الجهة، مع الحفاظ على وحدة المهنة على الصعيد الوطني؟.
هنا نصل إلى سؤال أبعد أثرًا، وأشد حساسية مما يبدو للوهلة الأولى:
كيف سيتصور العالم مهنة المحاماة وهي تعيش ازدواجية خصوصية مركبة؟.
خصوصية أولى قائمة أصلًا: نظام قانوني وطني له مرجعيته الدستورية، وتموقعه داخل المنظومة الدولية لحقوق الإنسان، وتفاعله مع المعايير الكونية.
وخصوصية ثانية محتملة: جهة تتمتع بحكم ذاتي، بصلاحيات موسعة، وبحاجات تنظيمية مختلفة.
المحامي ليس مجرد فاعل مهني محلي.
هو جزء من صورة العدالة في الدولة، ومؤشر على مدى انسجامها مع سيادة القانون.
فإذا وجد نفسه داخل خصوصيتين في آن واحد، فكيف سيُفهم موقعه؟.
هل سيخضع لنفس القانون الوطني مع مقتضيات تنظيمية خاصة تراعي خصوصية الجهة؟.
أم سيُمنح هامش تنظيم ذاتي أوسع داخلها؟.
وإذا تعددت قواعد الاشتغال، فكيف ستُضمن وحدة المعايير الأخلاقية، ووحدة حق الدفاع، ووحدة الولوج إلى مختلف درجات التقاضي عبر التراب الوطني؟.
العالم لا ينظر إلى التفاصيل التقنية بقدر ما ينظر إلى مؤشرات الوضوح والاستقرار.
وأي ازدواجية غير مؤطرة بدقة قد تُفهم كتعدد معايير، لا كتعدد مستويات حكم منسجمة.
الرهان إذن ليس خلق خصوصية داخل خصوصية،
بل إنتاج انسجام بينهما.
ليس المطلوب إلغاء الفوارق،
بل جعلها مفهومة، ومؤطرة، وقابلة للقراءة من الداخل والخارج معًا.
وفي صلب هذا التحول، يتجاوز النقاش شكل الحكومة أو طبيعة التحالفات السياسية إلى سؤال أعمق: هل نحن بصدد بناء نموذج حكم ذاتي مؤطر بسيادة قانون واضحة، وقضاء قادر على الحسم بين المستويات، ومهن مستقلة تضطلع بدور محوري في حماية الحقوق وضبط التوازن بين السلط؟ أم أننا أمام تدبير مرحلي لملف سيادي دون استكمال هندسته القضائية والمهنية؟.
تنزيل الحكم الذاتي، إذا كان خيارًا استراتيجيًا، لا يمكن أن يختزل في تنظيم انتخابات أو نقل اختصاصات إدارية. إنه امتحان لقدرتنا على هندسة الثقة: ثقة المواطن في وضوح القواعد، وثقة الفاعلين في استقلال القضاء، وثقة الخارج في انسجام النموذج.
المحاماة، في هذا السياق، ليست تفصيلاً قطاعيًا.
إنها مرآة لطبيعة الدولة نفسها.
فهل سنقدّم نموذجًا بخصوصية منسجمة تُعزّز سيادة القانون، أم بنية تتجاور فيها الخصوصيات دون رابط مؤسسي واضح؟.
الجواب عن هذا السؤال قد يكون أكثر تأثيرًا من كل التفاصيل التقنية الأخرى.






