في الحلقة التي شاهدتُها، يتكثّف السؤال الأخلاقي في مشهد المستشفى، حيث تتكدّس الأجساد المصابة، وتتحوّل الأسِرّة إلى مفاضلات وجودية، وتصبح أسماء الضحايا مجرد إعلانات مؤقتة: “لم يُسعَف… استُشهِد… أخلوا السرير لمصابٍ آخر”. المشهد لا يصدم لأننا لم نعرف الفاجعة؛ لقد تابعنا الأخبار، رأينا الصور، وحفظنا الأرقام. لكنه يصدم لأنه يُعيد ترتيب المأساة داخل وعينا، ويجعلنا نعيش الألم بطريقة حسّية مباشرة، مع فهم أعمق للتحديات الأخلاقية والمهنية التي يفرضها الواقع القاسي.
في قلب هذا المشهد، تقف الطبيبة المصرية سلمى، جسّدتها الموهوبة منة شلبي، لحظة سماعها أن البنج الموضعي غير متوفر ارتسمت على وجهها علامات الانتكاسة والصدمة، تعكس استنزافًا جسديًا ونفسيًا فرضته الحرب على غزة والضغط المفرط على النظام الصحي.
ثم تتدرج الأحداث إلى ذروتها: يظهر إياد نصار ممثلاً دور عَم الطفل يونس، الذي دُمّر منزله بصاروخ للتو. كل عائلته فقدت حياتها، وبقي يونس وحيدًا. في قلب الفوضى، يأتي إصراره الهادئ والمكثف على أن تفعل الطبيبة كل ما بوسعها لإنقاذ الطفل، بينما تتعامل مع الوضع الطبي والضغط الهائل في غرفة الطوارئ.
تحاول إنقاذه، تصدح أصوات الأطباء في الخلفية: “استشهد… مات… أخلوا السرير.” لكنها تصرّ على التمسك بالحياة. تحضر جهاز الصدمة الكهربائية، تضغط، تنتظر، وتعاود المحاولة، حتى تعود نبضة قلب طفيفة للعمل. المشهد ليس مجرد إثارة، بل استعادة هشة للحياة وسط الركام، ولحظة أخلاقية تنسج بين التحدي المهني والإصرار الإنساني.
ولعلّ هذا التفصيل في تصوير الفاجعة هو السبب الذي جعل بعض وسائل الإعلام في إسرائيل تهاجم المسلسل قبل صدوره. لم يكن الهجوم موجّهًا إلى مشهد بعينه، بل خوفًا من فقدان احتكار السرد ومنح الجمهور زاوية رؤية تمسّ الوجدان، لا الإحصاءات فقط.
هنا تكمن أهمية الدراما من منظور وثيقة تاريخية: التوثيق يقدّم الوقائع بالأرقام والصور، لكن الدراما تعيد نشر السردية بشكل أكثر عاطفية وأكثر مكثفًا، بحيث تجعل المشاهد يعيش الحدث، يشعر به، وينقله إلى ذاكرته الداخلية، بعيدًا عن مجرد استهلاك المعلومات. في مشهد المستشفى، لا نُفاجأ بما نعرفه، بل نُستدرج لنشعر به من جديد، لنفهم معنى الانهيار، ونجرب القيم الأخلاقية في صراعها المباشر مع الواقع القاسي.
الدراما هنا لا تغيّر الوقائع، لكنها تغيّر الطريقة التي نتذكّر بها الوقائع، وتعيد إنتاج المأساة ليس لتستهلكها، بل لتمنعنا من الاعتياد عليها.






