مجتمع وحوداث

رمضان.. الإدارة والإرادة

عبد الرفيع حمضي

في رمضان، لا تتوقف الحياة. المرض لا ينتظر، والوثائق الإدارية لا تتأجل، والآجال المسطرية لا تعلق. والمرتفق، في علاقته بالإدارة، لا يعيش على إيقاع الصيام، بل على إيقاع الحاجة. ومن هنا يبدأ السؤال الحقيقي: كيف يمكن لمرفق عمومي ان يبطئ، بينما حياة الناس تسرع .

فرمضان، في معناه العميق، ليس استثناء زمنيا تعطل فيه الأفعال، بل هو لحظة لإعادة ترتيب العلاقة بالعمل نفسه. ففي الوعي الإسلامي، الصيام تربية على الانضباط، وعلى إتقان الأداء في ظروف مختلفة. لذلك، لم يكن هذا الشهر،على امتداد التاريخ، زمن خمول، بل كان دائما زمن تركيز وسمو.

غير أن ما يلاحظ في بعض المرافق هو انزلاق هادئ، حيث يتحول تدريجيا تقليص ساعات العمل إلى تقليص في الجهد، وفي كثير من الاحيان إلى تعليق غير معلن لبعض الخدمات. ملفات ترحل إلى ما بعد رمضان ومواعيد تؤجل إلى ما بعد العيد ، وكأننا أمام شهر خارج الزمن الإداري. وهنا لا يتعلق الأمر طبعا بنقد أشخاص بعينهم بقدر ما هو مساءلة لثقافة إدارية ترسخت مع الوقت.

صحيح أن الصيام يغير الإيقاع البيولوجي والنفسي، ويؤثر على الطاقة والتركيز، وهو ما أخذته الإدارة بعين الاعتبار حين قلصت ساعات العمل. لكن هذا التكييف يفترض، منطقيا، رفع مستوى النجاعة داخل الزمن المتاح، لا العكس. فالوقت، حين يصبح أقل، ينبغي أن يصبح أثمن، لا أخف وزنا.

ولعل المفارقة الأكثر دلالة تظهر حين ننظر إلى سلوك نفس الأفراد خارج هذا السياق. فمغاربة العالم، الذين يشتغلون في بلدان لا تعتمد ترتيبات خاصة برمضان، يصومون في ظروف أحيانا أكثر صعوبة، ومع ذلك يحافظون على نفس مستوى الأداء والالتزام، بل يسعون غالبا إلى تعويض أثر الصيام بمزيد من التنظيم والانضباط. هنا يتضح أن المسألة لا ترتبط بالصيام في ذاته، بل بالإطار الذي يمارس داخله.

حين تكون قواعد العمل واضحة، والمساءلة قائمة، وثقافة الأداء حاضرة، يصبح الصيام تجربة شخصية لا تؤثر على الواجب المهني. أما حين يغيب هذا الإطار، فإن أي ظرف، ومن ضمنه رمضان، قد يتحول إلى مبرر غير معلن للتراخي.

المسألة، إذن، ليست في رمضان، بل في كيفية تدبيره داخل الإدارة. هل نعتبره ظرفا استثنائيا يخفف فيه العبء إلى حد تعطيل الخدمة؟ أم فرصة لإعادة الاعتبار لمعنى العمل، باعتباره أمانة تتصل مباشرة بحقوق الناس؟

إن خدمة المواطن ليست مجرد إجراء إداري، بل التزام أخلاقي. وحين نربطها بقيم رمضان، كالصدق والصبر والإتقان، تصبح جزءا من روح العبادة نفسها. فالموظف الذي ينجز ملفا في وقته، أو يفتح باب مصلحة في وجه مواطن ، إنما يمارس شكلا من أشكال التقرب إلى الله، لا يقل قيمة عن سواه.وبالتالي فالمشكلة ليست في الإدارة حين تقلص ساعاتها، بل في الإرادة حين تخمد عزيمتها .