فن وإعلام

من “الحموضة” إلى “الرداءة”.. تلفزيون العرايشي يعبر إلى زمن “السيتكوم بروماكس”

عبدالقادر الفطواكي
مع حلول شهر رمضان من كل سنة، تتجه أنظار ملايين المغاربة نحو قنوات القطب العمومي، أملاً في برمجة تليق بذوقهم، وتعكس قضاياهم، وتحترم ذكاءهم. غير أن المتابع المنصف لا يحتاج إلى كثير عناء ليكتشف أن المشهد يتكرر حرفياً: نفس الوجوه، نفس القصص، نفس النكات المستهلكة، ونفس الشركات “المحظوظة” التي تتقاسم كعكة الإنتاج.

قيل لنا إن زمن “السيتكوم” قد ولى، وإن مرحلة جديدة أكثر جودة قد بدأت. لكن ما حدث فعلياً هو تعويض السيتكوم التقليدي بسيتكوم “بروماكس”؛ نفس البناء الدرامي الهزيل، نفس الإفيهات المتوقعة، ونفس الشخصيات الكاريكاتورية التي تلوك الكلام بلا روح نفس منتجي الفواصل الموسيقية. التغيير اقتصر فقط على الاسم، أما المضمون فبقي حبيس الرداءة.

أضحى بعض الفنانين بمثابة أعمدة ثابتة لا تتزحزح عن الشبكة الرمضانية. فـ “عبد الله فركوس”، على سبيل المثال، تحول إلى أحد “الأركان الخمسة” للتلفزيون المغربي؛ نفس الحركات، نفس طريقة الأداء، نفس اللوازم التي استُهلكت حتى فقدت قدرتها على الإضحاك. ليس في الأمر انتقاص من مسار الرجل الفني، لكن السؤال يظل مشروعاً: هل عجزت الساحة عن إنتاج بدائل؟ أم أن منطق الاحتكار أقوى من منطق التجديد؟.

أما ما يُقدم تحت مسمى “كبسولات فكاهية”، فغالباً ما يفتقر إلى هوية واضحة أو رؤية فنية متماسكة. أعمال من قبيل “محجوبة ولتيبارية” تبدو كمحاولات مرتبكة لملء الفراغ الزمني لا أكثر. وفي السياق ذاته، يثير استغراب كثير من المتابعين لجوء بعض الأعمال إلى ما يمكن تسميته بـ”التشرميل الكوميدي”، في محاولة لإضحاك المشاهد عبر توظيف قاموس وسلوكيات دخيلة، على قناة رسمية تُمول من جيوب دافعي الضرائب. هنا يصبح النقاش أخلاقياً بقدر ما هو فنّي.

الدراما بدورها لم تسلم من هذا الانحدار. فبعد أن شهدنا في سنوات مضت أعمالاً ناقشت قضايا الهجرة، البطالة، الصحة، والعلاقات الأسرية بتوازن وجرأة مسؤولة، انتقلنا اليوم إلى مواضيع سطحية، بل أحياناً إلى مشاهد تخدش حياء موائد المغاربة في وقت الإفطار. الدراما لم تعد مرآة للمجتمع بقدر ما أصبحت أداة لإثارة الجدل الرخيص.

المفارقة المؤلمة أن هذه الإنتاجات تُعرض على قنوات عمومية يفترض أن تؤدي خدمة عمومية، وأن تساهم في الارتقاء بالذوق العام، لا في تسطيحه. فهل يعقل أن يُختزل الإبداع المغربي في دائرة مغلقة من الأسماء والسيناريوهات المتشابهة؟ وأين موقع الطاقات الشابة، وكتّاب السيناريو الجدد، والمخرجين الذين يحملون رؤى مختلفة؟.

النقد هنا ليس موجهاً للأشخاص بقدر ما هو موجه لمنظومة إنتاج كاملة يبدو أنها فقدت بوصلتها. رمضان ليس موسماً لتجريب الوصفات المستهلكة، بل فرصة سنوية لصناعة أعمال تبقى في ذاكرة المغاربة، وتحترم عقولهم، وتستحق فعلاً التمويل العمومي.

إلى أن يتحقق ذلك، سيظل السؤال معلقاً: هل نحن أمام أزمة إبداع، أم أمام إرادة لإعادة تدوير التفاهة على قنوات “الخالد” فيصل العرايشي.