صحة وعلوم

صومٌ عن الرائحة.. حين يدخل الثوم والبصل في أدب رمضان

أنور الشرقاوي (طبيب وخبير في التواصل الطبي والإعلام الصحي)

في رمضان، يصبح الثوم والبصل كأنهما شخصيتان مثيرتان للجدل… لا يُحاكمان، لكن يُوضَعان تحت الإقامة الجبرية حتى إشعار آخر.

ليس لأن الناس تخلّوا عن نكهتهما، بل لأن الشهر يفرض قوانينه الخفية: قوانين القرب، والأنفاس المشتركة، والصفوف المتلاصقة في صلاة التراويح.

الحاج مصطفى، الذي كان طول السنة يفاخر بأن “الثوم صحة وبركة”، صار في رمضان يقلب فصوصه كما لو كان يفحص عملة نادرة. ينظر إليها، يبتسم، ثم يعيدها إلى مكانها قائلاً: “الصف الأول أولى من كل النكهات.”

وهناك العروس الجديدة سلمى تتعلم دروسًا غير مكتوبة في “فقه الزواج الرمضاني”. 

تخفف البصل في الحريرة، وتكثر من القزبر والمعدنوس، وكأنها تعقد هدنة عطرية مع زوجها. تهمس لنفسها: “الصوم تهذيب… والأنف أمانة.”

في الإدارة العمومية، يجلس عبد القادر خلف مكتبه كمن يؤدي عبادة مزدوجة: صيام عن الطعام، وصيام عن كل ما قد يدفع مواطنًا إلى فتح النافذة في منتصف الحوار.

أما الطالب حمزة، فيرى أن الامتحانات لا تحتمل “تجارب كيميائية غير محسوبة”، فيستبدل الثوم بكوب شاي أخضر ويعلن أن صفاء الذهن أولى من شهوة المائدة.

لالة فاطمة، من شرفتها العالية، تشمّ أخبار الحي قبل أن تسمعها. تعرف متى تُقلى الشباكية، ومتى تغلي الحريرة. لكنها في رمضان تخفف البصل، لا خوفًا من الرائحة، بل احترامًا لذلك الصمت الروحي الذي يخيّم على الأزقة قبيل الأذان.

والمؤذن عبد الرحيم، الذي يملأ صوته السماء، يحرص أن يكون نسيمه الأرضي خفيفًا. يقول ضاحكًا: “الأذان دعوة… لا أريد أن أضيف إليها ملحقًا عطريًا.”

حتى سائق الطاكسي سي الطاهر، الذي يحمل المدينة في مقعده الخلفي، أعلن حالة الطوارئ: “الركاب صائمون، يكفيهم زحام الطريق… لا حاجة لزحام الروائح.”

والشاب ياسين، الذي ينتظر خطيبته بعد التراويح، يرفع شعارًا غير مكتوب: “لا بصل، لا ثوم… فليكن رمضان شهر العبادة… والرومانسية المؤجلة.”

أما الأم خديجة، فتلخص الحكاية كلها وهي تحرك قدر الحريرة: “يا أولادي، الصيام ليس فقط عن الطعام… بل عن كل ما قد يزعج الناس.” فتضحك الأسرة، ويهدأ الثوم في زاويته، والبصل في سكونه، كأنهما يفهمان أن الامتناع عنهما ليس إدانة، بل مجاملة جماعية لشهر يقوم على الذوق قبل الذوق.

هكذا يتحول الثوم والبصل في رمضان إلى امتحان صغير في فن العيش المشترك. 

ليسا مذنبين، ولا محظورين شرعًا، لكنهما يخضعان لقانون غير مكتوب: قانون القرب.

فحين تتلاصق الأكتاف في المسجد، وتتقارب الكراسي حول مائدة الإفطار، وتكثر الزيارات والسهرات، يصبح الامتناع عنهما نوعًا من “الصيام الاجتماعي”؛ صوم عن الإحراج، وصوم عن الأذى الخفيف، وصوم عن كل ما يعكّر صفاء اللحظة.

وفي النهاية، حين ينقضي الشهر ويعود الناس إلى عاداتهم، يخرج الثوم والبصل من عزلتهما، كنجمي مسرح عادا إلى الخشبة بعد استراحة قصيرة.

لكن رمضان يظل الشهر الذي يعلّمنا أن الطيب ليس فقط في النكهة… بل في مراعاة أنفاس الآخرين.