رأي

محمد كرم: النجاح كما فهمته

وصلني في بحر الأسبوع الماضي منشور إلكتروني محوره محاضرة ختامية أبى أحد الأساتذة الجامعيين إلا أن يتوج بها مساره المهني الحافل بالتجارب و الأحداث و الإنتاج. لم تكن للدرس أية علاقة بتخصصه. لقد اختار أستاذنا في ذلك اليوم المشهود مخاطبة طلبته في موضوع جديد و بلغة تختلف تماما عن لغة الكيمياء التي ألفوها منه.

في مستهل حديثه، وضع الأستاذ أمامه وعاء من زجاج شفاف و قام بعد ذلك  بملئه بمجموعة من الأحجار المتوسطة الحجم، ثم سأل الطلبة : هل الوعاء مملوء عن آخره ؟

قالوا : نعم

قال : لا، إذ مازالت هناك فراغات عديدة بين الأحجار.

أضاف كمية من الأحجار الصغيرة، ثم طرح عليهم السؤال نفسه مرة أخرى.

قالوا : نعم

قال : لا. فمازالت هناك فراغات صغيرة لم تملأ بعد.

أضاف قدرا من الرمل، ثم أعاد طرح السؤال.

قالوا : نعم

قال : لا. مازال الوعاء في حاجة إلى عنصر إضافي للإقرار بامتلائه تماما، ثم سكب كمية من الماء.

و بانتهاء عملية الملء شرع المحاضر في شرح قصده.

إن الأحجار الأولى ما هي في الواقع سوى تلك الأمور التي تشكل أساس الحياة من صحة و سكن و عمل و زواج و إنجاب، و الأحجار الأصغر حجما هي تلك الأمور التي تعتبر تكملة للأساسيات من قبيل التوفر على وسيلة نقل شخصية و ممارسة الرياضة و التخطيط للعطل السنوية و البينية، و الرمل يرمز إلى الكماليات من قبيل التوفر على بيت ثانوي و ممارسة هواية و ارتياد المسارح و دور السينما. أما الماء فيرمز إلى العلاقات الإنسانية التي لها أهميتها هي الأخرى حتى يظل ارتباط الإنسان بمجتمعه قائما لما فيه مصلحة الجميع.

و مما لا ريب فيه أن ثمة رسالة أخرى موازية لرسالة الأولويات هاته تهم ـ و إن بشكل غير مباشر ـ مقومات النجاح ، و هو موضوع شكل و مازال يشكل هم الإنسان الأول و سال مداد وافر بشأنه عبر العصور.  

النجاح إذن يبدأ دائما بتحديد الأولويات التي من المفترض أن تكون بترتيب محدد و التي لا ترتبط من زاوية هذا الرجل بشروط اقتصادية أو دراسية أو مهنية أو اعتبارية معينة. نحن هنا أمام وصفة بسيطة و جد فعالة و قابلة للنفاذ إلى عقول الشباب بسهولة لكن من الواضح أنها تهم المبادئ العامة فقط، و بالتالي هي في حاجة إلى تفاصيل مكملة غالبا ما يكون بشأنها إجماع. و طبعا لا يمكن لا لي و لا لصاحب الوصية الادعاء بأن الوصفة إياها لا تتوفر إلا على هذا الشكل. 

إن الحديث عن النجاح في الحياة قد يتخذ أشكالا متنوعة. و شخصيا أعتبر أن النجاح مرهون أساسا بمدى التزامنا و بمدى استيعابنا لماهية كل مرحلة من مراحل العمر، إذ لكل فترة عمرية خصوصياتها و منطق الأشياء يفرض علينا في كل عملية عبور تجديد نظرتنا للحياة و الاستعداد لاستيفاء شروط التكيف مع المرحلة الجديدة. و لحسن الحظ، الكثير من الناس ـ إن لم أقل معظهم ـ  غالبا ما ينتقلون إلى المراحل الموالية بنجاح نسبي أو دون خسائر تذكر مع الاحتفاظ  بنفس الرغبة في التأقلم و تحقيق الذات و إلا ما استمرت الحياة على الأرض في التقدم مثل الساعة.

النجاح في الواقع عملية تراكمية. فمن عاش طفولته محروما ماديا و /أو عاطفيا من المحتمل أن ينغمس في الانحراف في مراهقته، بل من المحتمل أن يرتكب أخطاء قاتلة سيكون لها وقع كبير على تمدرسه و استقراره العاطفي و على صحته الجسدية و النفسية. (الوفرة هي الأخرى قد تفضي إلى النتيجة نفسها.) و من قضى شبابه في تأجيل الاستحقاقات المصيرية و في المجون و الملذات المسروقة عوض الاستعداد بالجدية اللازمة لولوج مرحلة الاندماج الكامل في الحياة  مرشح للاستهتار بمسؤولياته في كهولته. و من تطاله كل هذه الآفات لن ينتظره في شيخوخته غير الشقاء و الانكسار و ربما حتى الفقر.

و على سبيل التوسع، يمكن أن أضيف بأن الناجح من الأطفال هو ذلك الذي تعلم الأدب و أدرك أن الاستجابة للرغبات و النزوات ليست متاحة دائما.

و الناجح من المراهقين هو ذلك الذي وعي بذاته و شرع فعلا في استيعاب حقائق الدنيا الكبرى و أفلت من التيه و الضياع.

و الناجح من الشباب هو ذلك الذي أدرك من تلقاء نفسه أو عن طريق النصح بأن للتكوين المهني أوانه، و للزواج أوانه، و للإنجاب أوانه.

و الناجح من الكهول هو ذلك الذي سار قدما في بناء أسرته و تقاعده و أعطى لكل شيء حقه من الاهتمام دون كلل أو ملل.

أما الناجح من الشيوخ فهو ذلك الذي خاض كل الحروب المفروضة الممكنة ثم طرح سلاحه أرضا و راح يستمتع بما كسبه من غنائم مشروعة.

و الناجح من منظوري أيضا هو ذلك الإنسان السوي الذي لا يمكن ـ ضمن سلوكات أخرى ـ  توقع خروجه إلى الشارع بفردة حذاء صفراء و أخرى حمراء.

الناجح هو من لا يخشى الاختلاط بالناس. الانعزال له ما يبرره في صفوف الفنانين و المفكرين الكبار لا غير، أما انعزال الإسكافي أو النجار أو الموظف البسيط أو حتى الطبيب أو الصيدلاني أو المهندس فغالبا ما يفسر على أنه سلوك فرداني مقيت.

الناجح في كل القارات هو ذلك الذي لا تسول له نفسه أبدا تحدي المجتمع و ضوابطه. 

الناجح من الناس هو ذلك الذي صان مصالحه المشروعة و بنى و لم يهمل صيانة البناء و لم يتنازل عن حقوقه دون التقصير في أداء واجباته. 

الناجح هو من حافظ على عشه بتأمين سلامة واجهته على الأقل (و إن لم يكن زواجه على الصورة التي كان يتمناها)، و هو من بذل كل ما في وسعه في سبيل تربية أبنائه (بغض النظر عن مآل جهوده في هذا الباب).

الناجح هو من نفع الناس بكل الأشكال الممكنة ... و لو بالمقابل.

الناجح هو من يتقاضى 5000 درهم شهريا مثلا لكنه يفلح في إقناع نفسه بأن دخله لا يتجاوز 4000 درهم (بهذه الطريقة "الشايط" مضمون على الدوام).

الناجح من عرف قدره و ظل في حدود إمكانياته و وضعه الاجتماعي، إذ ليس من الضروري أن تتقرب من المتنفذين و تصاهر الأعيان و تعاشر نجوم الفن و الرياضة و الإذاعة و التلفزيون.

و ليس من الضروري أن يرد إسمك بمجلة "فوربس" أو توضع نجمتك بممشى الشهرة بهوليود لكي تعتبر تجسيدا للنجاح.

و ليس من الضروري أن  تترك وراءك 50 براءة اختراع أو يحقق كل منشور من منشوراتك 500 مليون مشاهدة لكي تعد إنسانا "واعرا".

و ليس من الضروري أن تضع حبل مشنقة الديون حول عنقك لامتلاك بيت أو شراء سيارة إذا كان رصيدك البنكي لا يؤهلك إلا لاستئجار شقة أو اقتناء "تروتينيت". 

و ليس من الضروري أن تكون خريج جامعة السوربون أو هارفارد. فقد تغدو شهادتك العليا المعتبرة سبب شقائك ليس إلا، في حين قد تكون صنعة بسيطة في اليد أكثر متعة و فائدة و مردودية من أية وظيفة "مرموقة" (أسر لي مقاول صغير في مجال البناء ذات يوم بأنه لا يقوى أبدا على الابتعاد طويلا عن "السيما" و "الرملة" و "الكياس" من فرط حبه لعمله ما يفسر تضحيته بعطلته السنوية و بجل العطل الرسمية) .

و ليس من الضروري أن يسير وراء جنازتك أنطونيو غوتيريش أو محمد العيسى أو عبد الرحمان السديس أو الدلاي لاما حتى تحظى شهادة تفردك بالختم النهائي .

و ليس من الضروري أن تصبح بعد مماتك موضوع أحاديث المجالس أو يقام تمثال على شرفك أو يطلق إسمك على فضاء عام ليصنفك الناس ضمن الراحلين المتميزين. 

و ليس من الضروري أن تثير سيرتك انتباه المؤرخين المعاصرين و ا لأنثروبولوجيين و علماء الآثار المستقبليين. 

أنت إنسان ناجح بتوكلك على الله أولا، ثم بالتزامك و عطائك و استقامتك و بساطتك و كدك و كفاحك و صمودك و اعتمادك على نفسك و جريك وراء اللقمة الحلال، و نجاحك هذا لا يحتاج إلى دعاية أو تكريم أو توثيق.

مجمل القول : النجاح من منظوري ليس فقط وعاء مملوءا بالحجارة و الرمل و الماء، بل هو أيضا فن الحفاظ على التوازن العام من بداية الوعي إلى زواله و المقدرة على مغادرة  دار العيوب بلا عيب ... و قد يكون مجرد كلمة طيبة من زوج أو زوجة أو التفاتة جميلة من ابن أو ابنة أو قبلة صادقة و عفوية من حفيد أو حفيدة ... و لو وسط ركام غزة. 

في الختام، لابد من الإشارة إلى أن النجاح لا يعني بالضرورة السباحة في بحر بلا ساحل من السعادة. هذا موضوع آخر. و على سبيل المثال، تكفي الإشارة هنا إلى أن مايكل جاكسون و إديث بياف و داليدا كانوا ناجحين فنيا لكنهم كانوا بؤساء نفسيا و اجتماعيا. 

إضافة لها علاقة بما سبق : 

سئل حكيم عن قيمة أجرته الشهرية، فقال : 

"أنا لست مدينا لأحد." 

ثم سئل عما إذا كان له أعداء، فقال :

"أعيش بعيدا عن أهلي."

و كما تلاحظ، عزيزي القارئ، إجابتا الحكيم تختزلان النجاح في الحياة في كيفية تعاملنا مع الأشياء و الأحياء... و معذرة إن كنت قد ارتديت اليوم قبعة "الكوتش" الذي ـ على ما يبدو ـ يحسن إسداء النصح لمتابعيه و زبنائه لكنه لا يقبل بإسداء النصح لنفسه.