رأي

بديعة الراضي: نحن ومجلس التعاون الخليجي بين بوابة افريقيا وبوابة الخليج العربي، رهان مستقبلي

صحفية و كاتبة

 قادني سؤال صحفي خلال تواجدي بإحدى الدول الخليجية إلى توجيهه إلى السيد عبد الرحمن بن حمد العطية، الأمين العام السابق لـ مجلس التعاون لدول الخليج العربية (2002–2011)، حول استراتيجية المجلس في علاقاته مع محيطه الإقليمي والدولي، ومع الدول غير الأعضاء. كان ذلك في زمن كان فيه المغرب يعيد ترتيب أوراقه في شمال إفريقيا وتجمع دول الساحل والصحراء، وسط فراغ دبلوماسي داخل الاتحاد الإفريقي وهيمنة التحالفات الإيديولوجية. تلك المرحلة وضعت أسس التحول الاستراتيجي للمغرب، مع عودته لاحقا إلى الاتحاد الإفريقي وتعزيز دوره في القارة، ليصبح شريكا استراتيجيا لدول الخليج في إفريقيا، تماما كما تعتبر دول الخليج شريكاً أساسياً له في فضائه العربي.

فالعلاقات الدولية القوية تبنى على جسور التعاون والتضامن والمصالح المشتركة بسياسة – رابح -رابح، وعلى تعزيز بنيان بعضنا البعض، لا على المجاملات أو الانحيازيات العابرة. 

وكما نعلم جميعا أن المغرب حسم أمره، وجعل من الوحدة الترابية البوصلة  أو المنظار الذي يحدد كل تحركاته الخارجية، كما أن موقف الدول من قضية الصحراء أصبح معيارا أساسيا للشراكة الحقيقية، بدل إعلان الأخوة في الرسائل الدبلوماسية، والعمل في الخفاء بنقل تجارب تهريب الأسلحة في الأنفاق من ايران إلى جبل لبنان  لتصبح معبرا لنقل الشر إلى التراب المغربي ووضع مخطط النفوذ صوب المجال الإفريقي ضمن تحالفات تقتات من سياسة الحرب الباردة ، وسط ضبابية المشهد في الساحل والصحراء والفراغ الأمني  وتفشي تجارة الأسلحة والجريمة العابرة للحدود ،وغياب الاستقرار السياسي  .

ومن هذا المنطلق فالقرار يعكس وعي المملكة المغربية بطبيعة التحولات الجيوسياسية، ويؤكد أن المغرب دولة مؤسساتية قوية، لا تبني علاقاتها على التوازنات الهشة، بل على مصالحها الحيوية وسيادتها الوطنية. 

لقد اختار بلدي منطق الدولة التي تعرف أولوياتها وتحدد موقعها في العالم وفق مصالحها ،وفي هذا الإطار، تتجلى العلاقات مع مجلس التعاون لدول الخليج العربية كنموذج للشراكة الاستراتيجية المبنية على وضوح المواقف، واحترام السيادة، وتعزيز الاستقرار الإقليمي.  فموقف دول المجلس ظل ثابتا  صريحاً في دعم الوحدة الترابية للمغرب ومساندة مبادرة الحكم الذاتي، وترجم هذا الدعم إلى أفعال ملموسة، أبرزها افتتاح قنصليات في مدينتي العيون والداخلة، ما يعكس الانتقال من الخطاب إلى الفعل.

وفي المقابل، أبدى المغرب وضوحاً مماثلاً في دعمه لأمن واستقرار الخليج، إدراكا منه بأن الأمن العربي مترابط وأن الاستقرار مسؤولية مشتركة، وأن تقوية بنيان بعضنا البعض هو أساس شراكة حقيقية.

إن المغرب لا يتحرك بمنطق الاصطفاف الإيديولوجي أو المغامرة، بل بمنطق الدولة المسؤولة التي تدير علاقاتها الدولية باستراتيجية واضحة. ومن هذا المنطلق، أصبحت الدبلوماسية المغربية أكثر حزماً ووضوحاً:

فمن يدعم سيادة المغرب ووحدته الترابية يجد شريكاً موثوقا، ومن يتردد يضع نفسه خارج دائرة الشراكة الاستراتيجية.

إن هذه العلاقة ليست مجرد ترتيب للعلاقات التقليدية، بل تعكس فهم المغرب الجديد للعلاقات الدولية، المبني على التعاون، التضامن، وتقوية البنيان المشترك، وهو نموذج واضح لدولة تعرف قيمتها وتتصرف بثقة وإرادة سيادية لا تقبل الالتباس.

لهذا أقول الوطن أولا ...

وأنا ضمن توجهات بلدي، أرى العالم بمنظار ترابه، من شماله إلى جنوبه إلى شرقه وغربه.

 

بديعة الراضي