لقد استند قرار المغرب بقطع علاقاته الدبلوماسية مع إيران سنة 2018 إلى منطق استخباراتي سيادي، حيث أعلنت المملكة عن وجود ثلاثة أدلة أساسية تثبت علاقة “البوليساريو” بطهران: أولها، رصد خبراء عسكريين من حزب الله يقومون بتدريب عناصر الجبهة على حرب العصابات في مخيمات تندوف. ثانيها، استغلال الغطاء الدبلوماسي للسفارة الإيرانية في الجزائر لتسهيل التنقل اللوجستي لهؤلاء الخبراء ونقل المتفجرات. ثالثها، رصد شحنة أسلحة سلمها حزب الله للجبهة تضمنت صواريخ “سام 9″ و”سام 11″ و”ستريلا”. وقد أبلغت المملكة إيران في حينه بهذه الأدلة عبر قنوات دبلوماسية، لكنها لم تتلق أي رد.
لم تمض سوى بضع سنوات حتى تعززت مصداقية هذه المعلومات التي أفرزت قرارا يتوافق مع الأعراف الدبلوماسية التي تراعي سرية المصادر والأعمال الاستخباراتية، حيث ظهرت أدلة إضافية من مصادر محايدة، أبرزها تحقيق صحيفة “واشنطن بوست” استنادا إلى وثائق سورية مسربة تثبت تنسيقا إيرانيا لتدريب عناصر البوليساريو في مناطق مثل تدمر والقصير، ومشروع قانون أمريكي قدم في 24 يونيو 2025 تضمن نتائج رسمية تؤكد تدريب حزب الله لعناصر البوليساريو في تندوف، ورصد أسلحة إيرانية بحوزتهم، كما أصدر المجلس الأطلسي (Atlantic Council) تقريرين في نونبر 2024 ويناير 2025، وثقا تزويد إيران للجبهة بطائرات مسيرة وصواريخ أرض-جو وقذائف هاون، وكشفا عن مراسلات تظهر تدريب عشرات العناصر من البوليساريو بناء على طلب إيراني.
إن تناسل الأدلة والمعطيات حول هذه العلاقة، لم يمنع البعض من تبرير اصطفافه إلى جانب إيران وميليشياتها، خصوصا في سياق الحرب الدائرة رحاها في الوقت الراهن، هؤلاء المؤيدون يسوقون بعض الاعتبارات التي تبرر مواقفهم، اعتبارات يمكن تلخيصها في النظر إلى طهران كمركز “لمحور المقاومة” الذي يحارب إسرائيل من جهة، ولعدم وجود أدلة ملموسة عن تورطها في علاقات مشبوهة مع البوليساريو من جهة أخرى.
فيما يتعلق بالشق الأول، لا نحتاج إلى أدلة كثيرة لإثبات أن إيران، في نهاية المطاف، لا تحركها المبادئ بقدر ما تحركها المصالح، فهدفها من تسليح الميليشيات في المنطقة لا يرتبط بالدفاع عن فلسطين، بل يهدف إلى تعزيز وتوسيع نفوذها الإقليمي والدولي، بما يخدم مصالحها ويبعد خطر إسرائيل وأمريكا عن حدودها.
من يظن أن طهران تضع القضايا الدينية في صدارة أولوياتها، فليتذكر إطلاق الصاروخ الباليستي من قبل “ملحقتهم الحوثية” يوم 28 أكتوبر 2016، باتجاه مكة المكرمة، أقدس بقاع الأرض عند المسلمين. وقبل أن تدعي إيران حبها العظيم للقدس، فلتحدثنا أولا عن حبها لفاتحها الأول في ظل الإسلام، عمر ابن الخطاب رضي الله عنه. أما من يتوهم أن لإيران أهدافا إنسانية، فليعلم أن نظام الملالي قتل من المسلمين أضعاف عدد من قتل في الصراع العربي الإسرائيلي منذ عام 1948 إلى اليوم، في سوريا لوحدها، خلال عقد من الزمن فقط، دون الحديث عن اليمن والعراق ولبنان وعن آلاف الضحايا الإيرانيين الذين يسقطون في كل مظاهرة منذ 1979، ناهيك عن حرب الثماني سنوات التي خلفت مئات الآلاف من القتلى، قبل أن نغوص في الاستهداف اليومي لدول عربية صديقة لم تشارك في الحرب الجارية حاليا.
أما فيما يتعلق بالمبرر الثاني، فهناك ما يسمى بمبدأ “حماية المصادر” والمعطيات الحساسة، وهو أمر تعتمده جميع الأجهزة الإستخباراتية في العالم، فالمعلومات التي تم جمعها هي نتاج شبكة استعلاماتية معقدة، قد تشمل مصادر بشرية وتقنية، والكشف عنها يعرض العملاء للخطر ويكشف التقنيات المستخدمة، ويفاقم الأزمات بين الدول. إن الرهان الأساسي هنا لا يتعلق بإقناع الجمهور بالتفاصيل بقدر ما يرتبط بقرارات سيادية تقتضي عدم الإفصاح عن التفاصيل الكاملة، لأن الهدف هو حماية الأمن القومي مع مواصلة فعالية العمل الاستخباراتي، وقد سبق لوزارة الخارجية أن قدمت معطيات تفي بالغرض الدبلوماسي وما يحتاج المغاربة معرفته، خاصة مع دعم التسريبات والتقارير الدولية اللاحقة لصحة هذه المعلومات، بل إن تناقض مواقف الأطراف المعنية، التي نفت في البداية، لتظهر بعد ذلك اعترافات لاحقة من مسؤولي البوليساريو برغبتهم في “شراكة قوية مع حزب الله”، يعد دليلا إضافيا على دقة المعلومات الخطيرة التي بني عليها قرار قطع العلاقات.
إن المطالبة بنشر أدلة استخباراتية والتشكيك في مصداقية الأجهزة الأمنية الوطنية، ليس سوى مبررا واهيا تستخدمه بعض التيارات للانتصار لقناعات إيديولوجية فوق- وطنية على حساب مصالح المغرب العليا، متجاهلة أن الأجهزة الاستخباراتية المغربية أثبتت على مدى عقود كفاءتها العالية، وأن كل قرار يقتضي قطع العلاقات أو تحيينها مع دولة ما، يخضع لخيارات سيادية فيها من الإكراهات والتوازنات بقدر ما فيها من المصالح والفرص، وقبل هذا وذاك، فإن هذه المؤسسات لا تمارس السياسة حتى نصنع حولها كل هذا “البوليميك”، ومهمتها هي حماية الاستقرار، والحفاظ على حياة وممتلكات المواطنين، بالإضافة إلى صيانة المصالح الاستراتيجية للمملكة والدفاع عن سيادتها وأمنها القومي.
إننا في ظل ظروف دولية متقلبة وأمام جهات معادية، مطالبون بالاصطفاف وراء مؤسساتنا الوطنية والثقة في شرعية أجهزتها السيادية، بدلا من الانخراط في حملات تشكيك ممنهجة، بما من شأنه تقديم خدمة مجانية لأعداء الوطن، تكريسا لمنطق إيديولوجي بال يضع المصالح الحزبية والمذهبية فوق مصلحة البلاد والعباد. وإذا كانت هناك حاجة إلى مزيد من البراهين، فإن ما كشفته وثائق المخابرات السورية المسربة، وتقارير المؤسسات الدولية كالمجلس الأطلسي، وتصريحات مسؤولين أمريكيين كالسيناتور “تيد كروز” الذي حذر من سعي إيران لتحويل البوليساريو إلى “قوة بالوكالة شبيهة بالحوثيين في غرب إفريقيا”، بالإضافة إلى تحقيقات وتصريحات ومعطيات أخرى، تعزز جميعها ما قدمه المغرب من معطيات تؤكد جدية التهديد.
إن مصلحة الوطن العليا تقتضي أن نضع قضايانا المصيرية فوق كل تجاذب أو مزايدة، أن نعلو بها فوق كل تشكيك أو رهان سياسي ضيق، ذلك أن الاختلاف في الرأي، حين يبقى في إطاره الطبيعي، يمثل إثراء للحياة السياسية وغنى للممارسة الديمقراطية، غير أن هذا الاختلاف يجب أن يتوقف عندما يتعلق الأمر باستقرار الوطن وحماية توابته، لتلتقي الأيادي وتتوحد الرؤى.
إن بناء مستقبل زاهر للأجيال الصاعدة يفرض علينا الانكباب الجاد على إصلاح عميق يمس مؤسسات التنشئة الاجتماعية، بهدف ترسيخ الحس الوطني الأصيل وتحصين الهوية الوطنية ضد كل أشكال الاستلاب الفكري والاختراق الثقافي، وإذا كنا نطمح إلى موقع متقدم لبلادنا في محيطها الإقليمي والدولي في ظل عالم مضطرب، فإن مصالح الوطن العليا يجب أن تظل البوصلة الحقيقية التي توجه علاقاتنا الخارجية، والمواطنة الصادقة هي الضامن الوحيد لمواجهة كل المؤامرات والمخططات التي قد تحاك ضد أمن بلادنا واستقرارها.






