في تدوينتي، شددتُ على أن كرة القدم، رغم ما تثيره من شغف، تظل لعبة، وأن ما يجمع المغرب والسنغال من تاريخ مشترك وروابط إنسانية أعمق بكثير من أي تنافس ظرفي. كما دعوتُ إلى التحلي بالهدوء واحترام قرار الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، مع التأكيد على أن وحدة الشعوب الإفريقية يجب أن تظل فوق كل اعتبار.
غير أن صديقي المالي، وهو يتقاسم معي هذا الأفق الوحدوي، ذهب في اتجاه آخر حين اعتبر أن المغرب كان عليه ان يتنازل وان لا يقبل القرار الصادر عن الكاف. وقد بنى موقفه على ثلاث حجج مترابطة:
1. احترام الأخلاقيات الرياضية
يجب أن يتحقق الفوز دائمًا داخل أرضية الملعب، في إطار من الشفافية والإنصاف. إن قبول قرار يُنظر إليه على أنه غير عادل يضعف القيم الأساسية للرياضة ومبدأ اللعب النظيف الذي ندافع عنه جميعًا.
2. مصداقية المنافسات الإفريقية
عندما يتم تثبيت قرارات مثيرة للجدل دون اعتراض، فإن ذلك قد يمسّ بمصداقية المنافسات التي ينظمها الاتحاد الإفريقي لكرة القدم. وكان بإمكان المغرب، باعتباره أمة كروية كبيرة، أن يضطلع بدور أخلاقي في الحفاظ على صورة كرة القدم الإفريقية.
3. الرسالة الموجّهة إلى إفريقيا
إن قبول مثل هذا القرار يمكن أن يُفهم على أنه نوع من الإقرار الضمني بالظلم. وفي قارة تسعى إلى ترسيخ قيم العدالة والإنصاف واحترام القواعد، من المهم أن تُقدّم الدول الكبرى كالمغرب في المجال الرياضي المثال، حتى لو كان ذلك على حساب مصلحتها.
بهذا المعنى، فان صديقي لا يدافع عن موقف ظرفي، بل عن تصور معياري للرياضة. بحيث يرى أن العدالة الأخلاقية ينبغي أن تسمو حتى على الاعتبارات القانونية، وأن الدول الكبرى كرويًا مطالبة بلعب دور قيادي أخلاقي، حتى ولو كان ذلك على حساب مصلحتها المباشرة.
هذا الطرح، رغم قوته القيمية، يدعونا إلى التمييز بين مستويين أساسيين: مستوى المبدأ الأخلاقي، ومستوى التنظيم المؤسساتي.
فمن حيث المبدأ، يصعب الاعتراض على فكرة أن أفضل الانتصارات هي تلك التي تتحقق داخل أرضية الميدان، في وضوح تام ودون جدل. غير أن واقع كرة القدم الحديثة أكثر تعقيدًا، إذ تقوم هذه اللعبة على منظومة من القواعد والهيئات التي وُضعت تحديدًا لتدبير الحالات الاستثنائية التي قد لا يُحسم فيها كل شيء داخل الملعب.
وفي هذا الإطار، فإن القرار الذي اتخذته لجنة الاستئناف التابعة للاتحاد الإفريقي لكرة القدم لا يمكن فهمه كخيار أخلاقي، بل كتطبيق لنصوص تنظيمية. وهو ما يجعل الحديث عن “قبول” أو “رفض” القرار من طرف المغرب إشكاليًا، لأن المنتخب لم يكن في موقع اتخاذ القرار، بل في موقع الامتثال له.
ثم إن تحميل المغرب مسؤولية “تصحيح” قرار مؤسساتي يطرح بدوره إشكال العدالة: هل من المنطقي أن يُطلب من طرف مستفيد أن يتخلى عن حق منحه له القانون، أم أن مسؤولية ضمان العدالة تقع أساسًا على عاتق المؤسسة التي تصدر القرار؟ في المنطق المؤسسي، الجواب واضح: الإصلاح يجب أن يتم من داخل المنظومة، لا عبر مواقف فردية قد تبدو نبيلة، لكنها قد تُحدث ارتباكًا أكبر.
أما فيما يخص مصداقية المنافسات الإفريقية، فإنها لا تُبنى على مدى رضا الأطراف عن القرارات، بل على وضوح القواعد وتطبيقها بشكل متسق. بل إن الخطر الحقيقي على المصداقية لا يكمن في تطبيق القوانين، بل في غموضها أو في تطبيقها بشكل انتقائي.
وفي ما يتعلق بالرسالة الموجهة إلى إفريقيا، فإن البعد الرمزي، رغم أهميته، ينبغي ألا يتحول إلى بديل عن البناء المؤسساتي. فرفض قرار رسمي باسم الأخلاق قد يُنتج أثرًا عكسيًا، من خلال إضعاف هيبة الهيئات المنظمة وفتح الباب أمام منطق التشكيك المستمر.
في النهاية، لا يبدو أن الخلاف بيني وبين صديقي هو خلاف حول القيم، بل حول كيفية تجسيدها. فنحن نتفق على أن إفريقيا تحتاج إلى عدالة، لكن السؤال هو: كيف نحقق هذه العدالة؟ هل عبر مواقف رمزية فردية، أم عبر بناء مؤسسات قوية، وقواعد واضحة، وآليات شفافة للمراجعة والمساءلة؟
ربما يكون الجواب في الجمع بين الاثنين، دون الخلط بينهما: الدفاع عن القيم، مع احترام الإطار الذي ينظمها.
ويبقى الأهم، في خضم هذا النقاش، ألا ننسى أن كرة القدم—مهما بلغت حدّة الجدل حولها—تظل لعبة. أما ما يجمع الشعوب، من تاريخ وثقافة وروابط إنسانية، فهو أعمق من أن تهزه مباراة، وأبقى من أن يختزله قرار.






