سياسة واقتصاد

آلة البروباغندا الحربية.. تعليب العقول وتوجيهها نحو صراعات وهمية..

خالد أخازي ( روائي وإعلامي مستقل )
تعد اللحظة التاريخية الراهنة التي يمر بها الشعب الإيراني والمنطقة برمتها اختبارا حاسما لما تبقى من مصداقية المنظومة الدولية، فالاصطفاف الحقوقي والإنساني هنا ليس مجرد هواية وجدانية شعبوية، أو انحياز سياسي عابر، بل هو محاولة أخيرة لإنقاذ جوهر القانون الدولي في عالم يتآكل من الداخل بفعل هيمنة منطق القوة. 

إن ما يحدث اليوم يتجاوز حدود الجغرافيا الإيرانية ليصبح تساؤلا وجوديا حول القواعد التي تضبط الصراعات الكبرى، وهل انزلق العالم نهائيا إلى عصر الغلبة حيث تعاد صياغة مفاهيم العدالة والحق وفق موازين النار والحديد؟ هذا المشهد يكشف عن بنية تحالف صلب يربط الولايات المتحدة بإسرائيل، وهو تحالف لا يتحرك فقط بمنطق الردع العسكري، بل وفق تصور استراتيجي يهدف إلى إعادة هندسة المجال الجيوسياسي للمنطقة بالكامل، وإنتاج خطاب مبرر للتدخل يمنح الشرعية للخرق القانوني ويسوق الهيمنة في قالب أخلاقي زائف يخدع الوعي العالمي. إن الاستهداف الممنهج لسيادة الدول وتطبيع عمليات الاغتيال السياسي وانتهاك الأجواء الجوية لم تعد مجرد حوادث عارمة، بل هي ركائز في مشروع يسعى لإحلال "إرادة القوة" محل "قوة القانون"، مما يجعل أي صمت دولي بمثابة مشاركة في تقويض أركان السلم العالمي الذي تأسس بعد أهوال الحرب العالمية الثانية.

إن اللغة السياسية المستخدمة في هذا السياق ليست بريئة، إذ تحولت مفاهيم مثل الدفاع عن النفس والضربات الاستباقية إلى أدوات بلاغية لتمرير ما كان يصنف سابقا كجرائم دولية مكتملة الأركان، وهي نفس المنهجية التي رافقت غزو العراق حين رفعت شعارات الديمقراطية لتغطية تفكيك الدولة وإطلاق فوضى عارمة لا تزال المنطقة تدفع ثمنها حتى الآن. هذه اللغة تعمل على "شيطنة" الخصم ونزع الصفة الإنسانية عنه لتسهيل عملية استهدافه عسكريا وقانونيا، مما يخلق بيئة دولية يسودها الشك والتحفز بدل التعاون والحوار. في مقابل هذا الاندفاع الصدامي، برز موقف أوروبي يعكس قدرا من الوعي بخطورة الانخراط في منطق الفوضى المنظمة، حيث أبدت بعض العواصم ترددا واضحا في مباركة هذا المسار، إدراكا منها بأن إشعال المنطقة لن يبقى حبيس حدودها الجغرافية بل سيمتد ليطال الاستقرار العالمي ومناطق النفوذ التقليدية وأمن الطاقة العالمي، مما يظهر أن العالم لم يفقد بعد كل مناعته الأخلاقية تجاه مشاريع الهدم الممنهج التي تقودها أطراف ترى في الفوضى وسيلة وحيدة لاستعادة زمام المبادرة التاريخية.

أما دول الخليج فقد قدمت نموذجا في العقلانية السياسية عبر النأي بنفسها عن الانجرار إلى صراعات استنزافية، وهو موقف يعكس وعيا عميقا بأن المنطقة تدفع دفعا نحو الانفجار لخدمة قوى تسعى للتحكم في مفاصل الطاقة والاقتصاد العالمي. لقد فضلت هذه الدول منطق الدولة الرصينة على إغراءات الاصطفاف العسكري، مدركة أن الانتقال من البناء إلى الفوضى لن يخدم سوى أجندات الهيمنة الخارجية التي لا ترى في المنطقة سوى خزان للموارد وسوق للسلاح. هذا الموقف الخليجي يمثل صمام أمان يحول دون تحول الصراع الإقليمي إلى حرب شاملة قد تأتي على الأخضر واليابس، وهو يعكس نضجا ديبلوماسيا يرفض المقامرة بمستقبل الشعوب في مغامرات غير محسومة النتائج. ومع ذلك، فإن التضامن مع إيران كدولة مستهدفة لا يمكن أن يكون معزولا عن رؤية نقدية لسياساتها الإقليمية التي ساهمت في توتير محيطها، بما في ذلك مواقفها السابقة التي مست بوحدة دول كالمغرب عبر دعم أطراف انفصالية، مما يجعل التضامن الأخلاقي مشروطا برفض الازدواجية واحترام سيادة الآخرين بنفس القدر الذي تطالب فيه إيران باحترام سيادتها، فالحق في السيادة كل لا يتجزأ، والدفاع عنه يجب أن يكون مبدئيا وشاملا لا انتقائيا.

إن الضرورة تقتضي اليوم تفكيك السرديات المضللة التي تحاول حصر الصراع في قوالب طائفية أو دينية، فما يجري في جوهر الحقيقة هو صراع بارد وقاس على النفوذ والطاقة والأسواق، وحرب توسع تدار بخطاب ملتو يخلط بين القيم والمصالح. الحقيقة أن استدعاء الرموز المذهبية والروحية ليس إلا وسيلة لحشد الجماهير وتغييب عقولها عن الحقائق الجيوسياسية المتمثلة في الصراع على الممرات المائية وطرق الحرير الجديدة ومنابع الغاز والنفط. إننا أمام محاولة لإعادة تعريف المركز والاطراف في النظام العالمي، حيث يراد للمنطقة العربية والإسلامية أن تظل ساحة خلفية لتصفية الحسابات الكبرى. وهنا يبرز دور المثقف والفاعل الحقوقي في الحفاظ على البوصلة الأخلاقية وسط هذا الضباب الكثيف، فالدفاع عن حقوق الشعوب في الأمن والسيادة والعيش الكريم لا يتناقض مع نقد الأنظمة السياسية واختلالاتها، ورفض العدوان الخارجي لا يعني الصمت عن الاستبداد الداخلي أو القبول بانتهاك حقوق الأفراد في التعبير والتنظيم.

المعركة الحقيقية اليوم هي صراع بين منطق الدولة والمؤسسات وبين منطق الهيمنة والغطرسة، وحين تصدح طبول الحرب ويسود الخطاب التعبوي، يبقى الوعي النقدي هو الحصن الأخير الذي يمنع سقوط الحدود الفاصلة بين الحق والباطل وبين الحضارة والتوحش. إن الرهان على القوة العسكرية وحدها هو رهان خاسر في المدى الطويل، لأن الشعوب لا تخضع للأبد بالإكراه، والتاريخ يعلمنا أن الإمبراطوريات التي قامت على سحق إرادة الآخرين انتهت إلى التفكك من الداخل. لذا، فإن استعادة الاعتبار للشرعية الدولية ولغة الحوار والمصالح المشتركة هي السبيل الوحيد لتجنيب البشرية كوارث محققة. إن الوقوف مع الشعب الإيراني في وجه التهديدات الخارجية هو في عمقه وقوف مع الذات العربية ومع حق كل شعوب المنطقة في تقرير مصيرها بعيدا عن الإملاءات الخارجية، وهو موقف يتطلب شجاعة أخلاقية لتسمية الأشياء بمسمياتها دون مواربة أو نفاق سياسي.

في هذا السياق، يبرز التحدي الأكبر أمام القوى الحية في المنطقة في كيفية بناء كتلة تاريخية ترفض التبعية وتحافظ على استقلالية القرار الوطني والاقليمي. إن التشتت الحالي يغذي أطماع القوى الكبرى ويجعل من دولنا مجرد أحجار شطرنج في رقعة لا نملك التحكم في حركاتها. إن بناء نظام إقليمي يقوم على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية هو الضمانة الوحيدة لإنهاء عصر التدخلات التي دمرت دولا وحولت شعوبا إلى لاجئين. إن الدرس المستفاد من الأزمات المتلاحقة هو أن الأمن لا يستورد من الخارج، وأن التحالفات التي تقوم على التبعية هي تحالفات هشة تنهار عند أول اختبار جدي للمصالح. لذا، فإن العودة إلى الذات والتركيز على التنمية الداخلية وبناء المؤسسات الديمقراطية القوية هو الرد الأمثل على كل محاولات الهيمنة وتفكيك الكيانات الوطنية.

يظل الوعي هو السلاح الأقوى في مواجهة آلة البروباغندا التي تسعى لتعليب العقول وتوجيهها نحو صراعات وهمية. إن قراءة الواقع بعيون مفتوحة تدرك توازنات القوى ومصالح الشعوب هي الخطوة الأولى نحو التحرر من سطوة "منطق النار". وإذا كان العالم اليوم يمر بمرحلة انتقالية مؤلمة، فإن الأمل يظل معقودا على قدرة الشعوب ونخبها الواعية على فرض بديل إنساني يحترم التنوع ويقدس حق الإنسان في الحياة والكرامة، بعيدا عن غطرسة القوة وخراب الحروب التي لا رابح فيها سوى تجار السلاح وسماسرة السياسة.