مجتمع وحوداث

لا حماية لمن يختبئ وراء القميص.. المغرب يبني ومن تربى على الهدم فليواجه القانون

محمد رامي

ما جرى في ملعب الأمير مولاي عبد الله، خلال مباراة الجيش الملكي والرجاء الرياضي، لا يمكن التعامل معه كواقعة عابرة في مدرجات ساخنة. نحن أمام مشهد مسيء، صادم، ومرفوض بكل المقاييس. مشهد يضرب في العمق صورة كرة القدم الوطنية، ويسيء إلى بلد يستثمر في البنيات الرياضية، ويستعد لاحتضان تظاهرات كبرى، ويراهن على أن تكون ملاعبه فضاءات للفرجة والانضباط، لا ساحات للتكسير والتخريب.

المؤلم أن هذه الأحداث وقعت في ملعب يُفترض أن يكون واجهة رياضية حديثة، ورمزاً من رموز المغرب الكروي الجديد، لذلك، فالتخريب هنا ليس مجرد كسر كرسي أو اقتلاع حاجز. إنه كسر لصورة، وإساءة لمجهود عمومي، وإهانة لجمهور واسع يريد أن يشجع بكرامة، ولبلد كامل يريد أن يقدم نفسه للعالم بوجه حضاري.

الدولة مطالبة اليوم بأن تكون حازمة، لا انتقامية. الحزم يعني تحديد المسؤوليات، اعتماد الكاميرات والتذاكر الاسمية والمعطيات الرقمية لتشخيص المتورطين، وإعمال القانون في حق كل من ثبت تورطه في الاعتداء أو التخريب أو التحريض. والقانون المغربي يتضمن أصلاً مقتضيات مرتبطة بالعنف في الملاعب، من بينها معاقبة أعمال العنف التي ينتج عنها إلحاق أضرار مادية، أو الرشق، أو عرقلة سير التظاهرات الرياضية، بعقوبات حبسية وغرامات وفق طبيعة الفعل وظروفه.

لكن الحزم لا يكفي وحده. المطلوب أيضاً مساءلة تنظيمية حقيقية. كيف وصلت الأمور إلى هذا الحد؟ هل كان الفصل بين الجماهير كافياً؟ هل كانت ممرات الإخلاء مؤمنة؟ هل تم تقدير درجة المخاطر قبل المباراة؟ هل تم ضبط الولوج وفق معايير دقيقة؟ هل هناك تنسيق كافٍ بين الأندية والسلطات والجامعة والشركات المكلفة بالتنظيم؟ هذه الأسئلة لا تقل أهمية عن سؤال العقوبة، لأن منع الشغب يبدأ قبل صافرة الحكم، لا بعد تدخل الأمن.

الأندية، بدورها، لا يمكن أن تكتفي ببلاغات الأسف. عليها أن تتحمل مسؤوليتها التربوية والتنظيمية. فالجمهور ليس كتلة واحدة. هناك جماهير محترمة، عائلات، شباب، أطفال، ومحبون حقيقيون للكرة. وهناك أقلية تخرب وتختبئ وسط الحشود. واجب الأندية أن تعزل هذه الأقلية، لا أن تخاف من مواجهتها. الصمت أمام المشاغبين تواطؤ معنوي، والتساهل معهم تشجيع غير مباشر على تكرار الكارثة.

أما الجامعة والعصبة، فعليهما الانتقال من منطق العقوبات الظرفية إلى سياسة دائمة لحماية الملاعب. لا معنى لخطابات الاحتراف إذا ظل دخول الملعب مفتوحاً لمن يحوله إلى ساحة عنف. ولا معنى لتأهيل البنيات إذا لم يواكبه تأهيل سلوك الولوج، والمراقبة، والتأطير، والعقوبات البديلة، والمنع من حضور المباريات لمن يثبت تورطه.

ما وقع في مولاي عبد الله يجب أن يكون لحظة فاصلة. إما أن نقول بوضوح إن زمن التساهل انتهى، وإما سنظل نعيد المشاهد نفسها بعد كل مباراة كبرى. ولا يمكن لبلد يستعد للرهانات الرياضية القارية والدولية أن يسمح لفئة محدودة بأن تعبث باستثماراته، وبصورته، وبأمن جمهوره.

من يكسر كرسياً في ملعب عمومي لا يعتدي على فريق خصم، بل يعتدي على مال المغاربة. ومن يرشق الناس داخل المدرجات لا يمارس التشجيع، بل يرتكب فعلاً يعاقب عليه القانون. ومن يشوه صورة المغرب باسم فريق، فهو أول من يسيء إلى ذلك الفريق.

كرة القدم فرجة، شغف، انتماء، وذاكرة جماعية. أما التخريب فليس ثقافة جماهيرية. إنه فشل في التربية، وفشل في الردع، وفشل في الفصل بين الحب الرياضي والعدوان. لذلك، لا تسامح مع الشغب. لا تبرير للتكسير. لا حماية لمن يختبئ وراء القميص والشعار. المغرب يبني، ومن تربى على الهدم يجب أن يواجه القانون.