ونحن على أبواب انتخابات مهمة في مسار البلاد، يعود سؤال جوهري إلى الواجهة: كيف نختار المسؤولين؟ ليس السؤال تقنياً ولا حزبياً فقط، بل هو سؤال يرتبط مباشرة بمستقبل التنمية، وبجودة القرار العمومي، وبقدرة المؤسسات على إنتاج النتائج التي ينتظرها المواطن.
لقد ترسخ لدى جزء واسع من الرأي العام انطباع خطير مفاده أن الوصول إلى المسؤولية في المغرب أصبح أمراً سهلاً نسبياً، لا يحتاج دائماً إلى تراكم معرفي، ولا إلى تجربة قطاعية، ولا إلى تصور واضح ولا لما ينبغي فعله داخل المجال الذي سيتولى الشخص تدبيره. الأخطر من ذلك أن هذا الانطباع لم يعد موجوداً فقط لدى المواطنين المتابعين للشأن العام، بل بدأ يتسلل حتى إلى عقول بعض الطامحين إلى المسؤولية، الذين أصبحوا يتصرفون كما لو أن المنصب هو الذي يصنع المسؤول، لا الكفاءة والتجربة والرؤية.
وهنا تكمن المشكلة العميقة. ففي عدد من الحالات، لا نرى مسؤولين وصلوا إلى مواقع القرار بعد سنوات من الاشتغال الفكري أو المهني أو الميداني في القطاع المعني. لا نرى دائماً أشخاصاً راكموا كتابات، مقالات، دراسات، مواقف، خبرة دقيقة، أو معرفة معمقة بالسياسات العمومية. بل نرى أحياناً من يدخل المسؤولية كما يدخل شخص مسبحاً لا يعرف درجة حرارته: يرتمي أولاً، ثم يكتشف بعد ذلك طبيعة القطاع، وتعقيداته، وإكراهاته، وحجم الانتظارات الموضوعة عليه.
هذا المنطق خطير، لأنه يحول المسؤولية من مهمة مبنية على الاستعداد والكفاءة إلى تجربة شخصية يتعلم فيها المسؤول على حساب الزمن العمومي. لكن الزمن العمومي ليس ملكاً للأشخاص. إنه زمن المواطنين، وزمن التنمية، وزمن الفرص التي تضيع إذا لم يكن القرار في مستوى التحديات.
المشكلة لا تقف عند ضعف الخبرة فقط، بل تمتد إلى ضعف الرؤية. فالمسؤول الحقيقي لا يكتفي بتسيير يومي للقطاع، ولا يكتفي بتوقيع الوثائق أو حضور الاجتماعات أو ترديد لغة الإدارة. المسؤول الحقيقي يجب أن يحمل تصوراً واضحاً: أين يوجد القطاع اليوم؟ ما هي أعطابه؟ ما هي أولوياته؟ ما الذي يجب إصلاحه أولاً؟ ما هي الموارد المتاحة؟ وما هي النتائج التي ينبغي تحقيقها خلال مدة زمنية محددة؟
في غياب هذه الرؤية، تصبح الإدارة هي التي تقود القطاع، لا المسؤول السياسي. وهذا ما يفسر الانطباع السائد لدى الكثيرين بأن “الإدارة تقوم بكل شيء”. صحيح أن الإدارة عنصر أساسي في استمرارية الدولة، وأنها تملك ذاكرة تقنية لا غنى عنها. لكن الخطر يظهر عندما يصبح المسؤول مجرد واجهة سياسية أو إدارية، بينما تظل القرارات الحقيقية محكومة بالروتين، وبما كان يُفعل دائماً، لا بما ينبغي فعله الآن.
إن المنصب لا يجب أن يكون مدرسة ابتدائية للمسؤول. لا يمكن لقطاع الصحة أو التعليم أو التشغيل أو السكن أو الاستثمار أو الماء أو النقل أن يتحمل مسؤولاً يبدأ من الصفر. هذه القطاعات ثقيلة، معقدة، ومتصلة مباشرة بحياة ملايين المواطنين. لذلك فإن المسؤولية يجب أن تُمنح لمن جاء إليها ومعه حد أدنى من المعرفة، والتجربة، والقدرة على الفهم، والجرأة على الإصلاح.
الانطباع الثاني الذي يزيد الأزمة تعقيداً هو ضعف المحاسبة. فكثير من المواطنين يشعرون أن المسؤول قد يفشل دون أن يحدث شيء كبير. قد لا تتحقق النتائج، قد تتأخر البرامج، قد تتكرر الأعطاب، قد لا يشعر المواطن بأي تحسن، ومع ذلك يستمر المسار كأن الأمر عادي. هذا الإحساس خطير لأنه يضعف الثقة في السياسة، ويجعل المسؤولية تبدو امتيازاً لا تكليفاً.
في الدول التي تحترم منطق النتائج، المسؤول لا يُقاس فقط ببلاغاته ولا بحضوره الإعلامي، بل بمؤشرات دقيقة: كم منصب شغل خُلق؟ كم مدرسة تحسن مستواها؟ كم مستشفى أصبح يقدم خدمة أفضل؟ كم مشروعاً أُنجز في وقته؟ كم انخفضت كلفة خدمة معينة؟ كم تحسن رضا المواطنين؟ وكم تقلصت الفوارق بين الجهات؟ أما إذا غابت هذه المؤشرات، فإن التقييم يصبح انطباعياً، والمسؤولية تصبح فضفاضة، والمحاسبة تصبح شكلية.
لذلك، فإن الإصلاح الحقيقي يجب أن يبدأ من إعادة النظر في طريقة اختيار المسؤولين. لم يعد كافياً اختيار الأشخاص بناء على الولاء السياسي، أو التوازنات الحزبية، أو القدرة على تدبير العلاقات، أو الحضور الانتخابي. هذه عناصر قد تكون جزءاً من الحياة السياسية، لكنها لا يمكن أن تكون بديلاً عن الكفاءة. فالبلاد تحتاج إلى مسؤولين يفهمون القطاعات التي يدبرونها، لا إلى مسؤولين يكتشفونها بعد التعيين.
ينبغي أن يصبح لكل منصب عمومي كبير دفتر شروط واضح، ولو بشكل غير معلن: خبرة في المجال، معرفة بالسياسات العمومية، قدرة على القيادة، سجل مهني أو فكري، قدرة على التواصل، ونزاهة في التدبير. كما يجب أن يقدم كل مسؤول، عند بداية مهمته، تصوراً واضحاً للقطاع: التشخيص، الأولويات، الأهداف، المؤشرات، والجدول الزمني. وبعد ذلك، يجب أن يُحاسب على أساس ما التزم به.
كما أن الأحزاب السياسية تتحمل مسؤولية كبرى في هذا المجال. فهي لا يجب أن تكتفي بتقديم مرشحين قادرين على الفوز في الانتخابات، بل عليها أن تنتج نخباً قادرة على الحكم. الفرق كبير بين الفوز والتدبير. يمكن لشخص أن ينجح انتخابياً، لكنه يفشل تدبيرياً إذا لم يكن يملك معرفة ولا رؤية ولا قدرة على الإنجاز. لذلك فالحزب الجاد هو الحزب الذي يبني كفاءات، يكوّن أطره، يشجع النقاش الداخلي، ينتج أفكاراً، ويقدم للبلاد مسؤولين مستعدين لا مسؤولين طارئين.
إن المغرب لم يعد في حاجة إلى مسؤولين يكتشفون الواقع بعد تولي المنصب. البلاد في حاجة إلى مسؤولين يعرفون الواقع قبل الوصول إليه. مسؤولين يملكون موقفاً من التعليم قبل أن يدبروا التعليم، ورؤية للصحة قبل أن يدبروا الصحة، وفهماً للتشغيل قبل أن يتحدثوا عن البطالة، ومعرفة بالتراب قبل أن يقودوا جماعة أو جهة.
المسؤولية ليست لقباً، وليست امتيازاً، وليست مجرد موقع داخل البروتوكول. المسؤولية امتحان يومي أمام المواطن، وأمام التاريخ، وأمام النتائج. ومن لا يملك الكفاءة والرؤية والشجاعة يجب ألا يتقدم إلى الصفوف الأولى، لأن كلفة الارتجال لم تعد مقبولة.
السؤال اليوم ليس فقط من سيفوز في الانتخابات المقبلة، بل من يستطيع فعلاً أن يدبر المرحلة المقبلة؟ فالمغرب يواجه تحديات كبيرة: التشغيل، الماء، التعليم، الصحة، العدالة الاجتماعية، الفوارق المجالية، الاستثمار، والتحول الصناعي. وهذه التحديات لا تحتاج إلى مسؤولين يتعلمون في الطريق، بل إلى مسؤولين قادرين على القيادة منذ اليوم الأول.
إعادة النظر في اختيار المسؤولين لم تعد ترفاً سياسياً، بل أصبحت شرطاً من شروط التنمية. فإذا أردنا فعالية أكبر في تدبير الشأن العام، فعلينا أن نعيد الاعتبار للكفاءة، للتجربة، للمعرفة، وللمحاسبة. لأن الدول لا تتقدم فقط بالبرامج، بل تتقدم أيضاً بنوعية من يملكون القدرة على تحويل هذه البرامج إلى نتائج.






