مجتمع وحوداث

لجنة تقصي الحقائق: المولود الذي سارع الجميع إلى نعيه

دحمان المزرياحي

من المفارقات السياسية التي تستحق التأمل أن ملف الدعم العمومي الموجه لمستوردي الأغنام واللحوم والكسابة لم ينجح في خفض أسعار اللحوم أو تخفيف الأعباء عن المواطنين بالقدر الذي نجحت فيه إشاعة واحدة في توحيد أحزاب الأغلبية والمعارضة حول هدف مشترك: نفي خبر رفض تشكيل لجنة لتقصي الحقائق.

فخلال أيام قليلة فقط، تحولت الساحة السياسية إلى خلية نحل نشيطة. تصريحات وبيانات وتوضيحات وتكذيبات متلاحقة، وكأن البلاد تواجه أزمة وطنية كبرى تهدد استقرار المؤسسات. فجأة اكتشف المواطن أن أحزاب الأغلبية قادرة على التحرك بسرعة البرق عندما يتعلق الأمر بصورة الحكومة، وأن قنوات التواصل السياسي ليست معطلة كما كان يعتقد، وأن المسؤولين قادرون على الحديث بلغة واضحة ومباشرة عندما يشعرون بأن سمعتهم السياسية مهددة.

ولعل السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: لماذا لا تظهر هذه الحيوية نفسها عندما يتعلق الأمر بتقديم المعلومات الدقيقة للرأي العام حول كيفية صرف الأموال العمومية؟ ولماذا لا تبذل الجهود ذاتها لتوضيح لوائح المستفيدين ومعايير الاستفادة وحصيلة الدعم وآثاره الحقيقية على الأسعار؟ فلو أن الحكومة وأحزابها تعاملت مع قضية الشفافية بالجدية نفسها التي تعاملت بها مع نفي هذه الإشاعة، لكان من الممكن تجنيب البلاد كثيراً من الشكوك والتأويلات.

إن التهافت الجماعي على التكذيب لم ينه الجدل بقدر ما غذاه. فحين تتسابق أطراف متعددة إلى نفي أمر ما بهذه السرعة، يصبح المواطن أكثر ميلا إلى التساؤل لا أقل. ذلك أن الثقة لا تبنى بالتكذيب وحده، بل ببناء بيئة سياسية تجعل الإشاعة عاجزة عن الحياة أصلا بسبب وفرة المعلومات ووضوح المعطيات.

لقد تحولت قضية الأضاحي وأسعار اللحوم إلى جرح اجتماعي مفتوح. فالمغاربة الذين ارتبط وجدانهم وذاكرتهم الجماعية بعيد الأضحى باعتباره مناسبة للفرح والتكافل واستحضار معاني الافتداء والرحمة، وجدوا أنفسهم أمام واقع مختلف تماما. أسعار مرتفعة، وقدرة شرائية منهكة، ودعم عمومي ضخم لم تظهر آثاره كما كان منتظراً. وبينما كان المواطن ينتظر أن يفدى من غلاء الأسعار، تأسيا لقصة سيدنا ابراهيم وإسماعيل ، وجد نفسه أمام الفراقشية والشناقة والسماسرة الذين أتقنوا تحويل المناسبات الدينية إلى مواسم للمضاربة والربح السريع.

وفي مثل هذا السياق يصبح مطلب تقصي الحقائق أمرا طبيعيا لا استثنائيا. فالديمقراطيات الراسخة لا تعتبر التحقيق البرلماني تهديدا لها، بل وسيلة لحماية شرعيتها. لقد كشفت لجان التحقيق في الولايات المتحدة فضيحة ووترغيت، وأسهمت في آيسلندا في فهم أسباب الانهيار المالي، وأدت في دول أخرى إلى تصحيح اختلالات خطيرة في تدبير المال العام. ولم تنهر تلك الدول بسبب البحث عن الحقيقة، بل ازدادت قوة لأن مؤسساتها امتلكت الشجاعة الكافية لمواجهتها.

أما في المغرب، فإن القضية لم تعد مرتبطة فقط بالدعم المخصص للأغنام واللحوم، بل أصبحت مرتبطة بشيء أكثر أهمية: الثقة. فالإشاعة التي انتشرت لم تكن مجرد معلومة متداولة بقدر ما كانت تعبيرا عن مزاج عام يشعر بالقلق ويبحث عن أجوبة. وفي علم النفس الاجتماعي، لا تنتشر الإشاعات في الفراغ، بل تجد دائماً تربة خصبة من الشكوك والأسئلة غير المجاب عنها.

لهذا فإن أخطر ما في هذه الواقعة ليس الإشاعة نفسها، بل الأسباب التي جعلت شريحة واسعة من المواطنين تجدها قابلة للتصديق. فحين يصبح الناس مستعدين لتصديق أن لجنة لتقصي الحقائق يمكن أن ترفض في ملف بهذا الحجم، فإن المشكلة لا تكون في الإشاعة وحدها، بل في مستوى الثقة القائم بين المجتمع ومؤسساته.

ومن هنا يبدو أن الأحزاب التي سارعت إلى نفي الخبر مطالبة اليوم بما هو أكثر من إصدار البيانات. فهي مطالبة بالدفاع عن حق المواطنين في معرفة الحقيقة كاملة، ومطالبة أيضا بإقناع الرأي العام بأن الرقابة البرلمانية ليست خطرا على الحكومة، بل ضمانة لها. فالحكومة الواثقة من سلامة قراراتها لا تخشى لجان التقصي، بل تستفيد منها لتأكيد نزاهة اختياراتها وتبديد الشكوك المحيطة بها.

إن الدول لا تضعف عندما تبحث عن الحقيقة، وإنما تضعف عندما يصبح البحث عنها موضوعا للخوف أو الحساسية أو التردد. ولذلك فإن أفضل رد على الإشاعات ليس نفيها فقط، بل بناء مناخ من الشفافية يجعل المواطن يثق في مؤسساته أكثر مما يثق في ما يتداول على مواقع التواصل الاجتماعي.

أما أن تتسابق الأحزاب والحكومة إلى إطفاء إشاعة خلال ساعات، بينما ينتظر المواطنون شهورا وسنوات للحصول على معطيات دقيقة حول قضايا تمس معيشتهم اليومية، فذلك مشهد لا يخلو من سخرية سياسية لاذعة. لقد أثبتت هذه الواقعة أن الفاعلين السياسيين قادرون على التحرك بسرعة فائقة عندما يتعلق الأمر بالدفاع عن صورتهم، لكنهم لا يظهرون الحماس نفسه عندما يتعلق الأمر بفتح الملفات التي تشغل الرأي العام وتغذي الشكوك.

فلو أن الجهد الذي بذل في نفي إشاعة لجنة تقصي الحقائق بذل في شرح مصير مليارات الدراهم من الدعم العمومي، ولو أن الحماسة التي أظهرتها الأحزاب في الدفاع عن نفسها وجهت نحو الدفاع عن حق المواطنين في المعلومة، لكان من الممكن أن تتحول هذه القضية من مصدر للريبة إلى مناسبة لتعزيز الثقة. غير أن ما حدث يوحي بصورة معاكسة؛ إذ إن كثافة النفي وسرعته بدت وكأنها اعتراف غير مباشر بأهمية السؤال الذي يطرحه المغاربة: من استفاد؟ وكيف استفاد؟ ولماذا لم تنعكس تلك الأموال على الأسعار كما كان منتظرا؟

إن الرهان الحقيقي اليوم لا يتعلق بإثبات صحة إشاعة أو نفيها، بل بإعادة بناء الجسور بين المواطنين ومؤسساتهم. فالديمقراطية لا تقوى بالتكذيب وحده، بل بالشفافية، ولا تحمى بإغلاق الأسئلة بل بفتحها، ولا تكتسب ثقة الناس عبر البيانات المتلاحقة، بل عبر الحقائق الواضحة التي لا تترك مجالا واسعا للإشاعات كي تنمو وتتكاثر. وفي النهاية، ليست المشكلة أن المواطنين صدقوا إشاعة، بل أن المناخ العام جعل كثيرين يرون فيها احتمالا واردا. لقد كان مهما وأد الإشاعة، أما الحقيقة فيمكنها الانتظار، وهذا وحده كافٍ لكي يدق الجميع ناقوس المراجعة قبل فوات الأوان.