قد يبدو الأمر غريبا، لكن الشفقة هنا لا تتعلق بخسارته قيادة الحزب، بل بالطريقة التي يدير بها هذه الخسارة.
يعلم أغلبنا أن الهزائم في السياسة ليست كلها انتخابية، خاصة أن هناك بعضها يبدأ بعد مغادرة المنصب..و هي مرحلة دقيقة اسمها "ما بعد القيادة"، هذه المرحلة لا تقل صعوبة عن الوصول إلى القيادة نفسها. كثير من السياسيين يعرفون كيف يصعدون، لكن عددا قليلا منهم يعرف كيف ينزل.
في تقديري، أخنوش يخطئ في إدارة هذه المرحلة، ليس السبب حضوره أنشطة حزبه، فهذا حقه الطبيعي، وليس لأن وجوده داخل الحزب مرفوض، فالرجل جزء من تاريخه. المشكلة أن حضوره يوحي بأنه لم يجد بعد الصيغة المناسبة للانتقال من قائد للحزب إلى أحد رجالاته..وهذا انتقال ضروري.
القائد السابق لا يحافظ على مكانته بالاستمرار في احتلال الواجهة، وإنما بتركها طواعية. لأن قيمة الزعيم بعد مغادرة القيادة لا يمكن تقييمها بعدد المناسبات التي يحضرها، بل بقدرته على التحول إلى مرجعية، لا إلى منافس رمزي للقيادة الجديدة.
قد يكون أخنوش لا يقصد ذلك إطلاقا، لكن السياسة تهمها النوايا، وإنما بالصور التي تنتجها. والصورة التي تتكرر اليوم تعطي انطباعا بأن الرجل لا يزال يبحث عن موقعه داخل حزب كان إلى وقت قريب يدور حوله، وهنا تبدأ المعضلة الحقيقية.
السياسي لا يستهلك رصيده فقط عندما يفشل في الحكم ، قد يستهلكه أيضا عندما يفشل في إدارة خروجه من الواجهة. فلكل مرحلة أدواتها، وما كان يمنح القوة بالأمس قد يصبح عبئا اليوم.
لو كنت ضمن الدائرة التي تقدم له النصح، لما طلبت منه تكثيف حضوره، بل العكس تماما. كنت سأطلب منه أن يمنح القيادة الجديدة كل المساحة، وأن يحتفظ لنفسه بمكانة المرجع لا بموقع الفاعل اليومي. فهناك فرق كبير بين أن يشعر الناس أنك حاضر، وأن يشعروا أنك تحاول أن تثبت حضورك..لهذا أشفق على أخنوش لأنه يستهلك أهم ما يملكه أي سياسي: رصيده الرمزي.
يذكرني أخنوش اليوم برجل باع بيتا عاش فيه أجمل سنوات عمره، لكنه لم يستطع مفارقته، فأصبح يقف كل صباح عند بابه يستقبل الداخلين ويودع الخارجين، كأنه يريد أن يقنع نفسه قبل الآخرين بأن البيت ما زال بيته.
أخنوش... لا تعمل بوابا لحزب كنت إلى الأمس القريب قائده. فالخروج من القيادة أكرم من البقاء على عتبتها..
حجلي مثل قديم يكول "كان عريس و عاد ونيس "..






