رياضة

الكرة لعبة تنتهي بصافرة و جمهورنا يفتقد لثقافة الفرجة

فؤاد زويريق (ناقد فني)

لم أشاهد مباراة الأمس، لأنني كنت نائما بكل بساطة، فلدي في هذه الحياة ما هو أهم، لست ضد ممن اتخذ من الكرة أيديولوجيته وعقيدته، أو من اعتبرها من الثوابت الوطنية التي لا يجوز الاقتراب منها أو التشكيك فيها، فلكل إنسان الحق في أن يختار ما يشغله وما يمنحه الفرح، لكن المشكلة تبدأ حين تتحول مباراة في كرة القدم إلى قضية وجود، تستدعي الاستنفار والتعبئة من الإعلام والدولة والشعب، ليتحول الفوز الى انتصار للأمة، والهزيمة الى نكبة وطنية تستدعي البكاء، والحزن، والشتائم وتبادل الاتهامات.

 صادفت هذا اليوم على شبكات التواصل الاجتماعي العشرات من المنشورات والتعليقات الممتلئة بكمية لا تتصور من الحزن والإحباط، رغم ان المنتخب وصل الى الربع للمرة الثانية، وهذا في حد ذاته انجاز لم يصله اي منتخب افريقي وعربي حسب علمي، عرفت أن منتخبنا الوطني كان جد ضعيف أمام منتخب فرنسا، ودخل منهزما حتى قبل أن تبدأ المبارة، يعني أنه يستحق الإقصاء، وهذا طبيعي جدا في مجال الكرة، لكن أبى البعض إلا أن ينكر هذه الهزيمة وألا يتقبلها كجمهور من المفروض أن يكون واعيا بثقافة الفرجة، فبدأ يبحث عن شماعات يعلق عليها هزيمته، وطبعا تهمة المؤامرة جاهزة ولم تتأخر، فدخلت الماسونية بدورها في الموضوع، وأن الماتش مبيوع... وهكذا تعددت التهم والشماعات دون تقبل الهزيمة بروح رياضية، وفي نفس الوقت تبني طرح موضوعي يشرّح أسبابها.


يوم انهزم منتخب هولندا أمام المنتخب المغربي، سمعت زملائي الهولنديين يناقشون أسباب الهزيمة بكل هدوء وموضوعية، ودون تجاوز المجال الرياضي، اليوم التالي لم أسمع ولو شخصا واحدا أثار الموضوع مجددا، الكل ركز على عمله ونُسي الموضوع نهائيا، وهذا مايجب أن يكون.

 في عالمنا المتخلف للأسف قد يتسامح المرء مع من يهينه في حقوقه وكرامته، لكنه لن يتسامح أبدا مع من ينتقد فريقه المفضل، بل أنا متأكد أنه لن يعرف اسم وزير التعليم في بلده إن سألته، لكنه حتما يحفظ تشكيلة فريقه الكروي عن ظهر قلب، بأسماء لاعبيه واحتياطييه ومدربيه... لا أحتقر كرة القدم أو أية رياضة أخرى، ولا مشكل لدي مع من يحبونها، فهي لعبة فيها متعة وشغف وقدرة نادرة على جمع الناس وتوحيدهم، لكن تبقى مشكلتي مع تحولها إلى تعصب، وأداة لخلق الفتنة داخل الشعب الواحد وبين باقي الشعوب، فالكرة في النهاية، لعبة تنتهي بصافرة، لكن في دولنا المتخلفة تنتهي المبارة وتستمر آثارها السلبية إلى ما لا نهاية، عشرات المنتخبات هُزموا وخرجوا من المنافسة ولم يلصقوا أسباب هزيمتهم في المؤامرة والماسونية والسحر الأسود والعالم الخفي... وهذا مرض لا يوجد إلا لدينا للأسف يظهر لنا مدى جهلنا وتخلفنا مهما ادعينا التحضر، المشكل أن هناك نخبة محسوبة على المثقفين والمتعلمين لم أفهم ماذا تركوا للرعاع المتعصبين، يتبنون نفس تعصبهم ويسوقون لنفس تهمهم بضمير مرتاح وفكر مغيب، وهنا الطامة الكبرى.