رياضة

المغرب وفرنسا… المباراة التي لم تلعب بعد

عبد الرفيع حمضي

قبل مباراة المنتخب الوطني، لا اذكر انني لمست هذا القدر من الثقة في الشارع المغربي.

صباح المباراة، سألت يوسف حارس السيارات بالحي وطارق نادل المقهى وسليمان من الامن الخاص وصفاء الموظفة وعزيز الضابط وعبد الله المسؤول السامي من سيفوز الليلة؟ لم أكن أبحث عن توقع رياضي، بل عن نبض مجتمع. وكانت المفاجأة أن الجميع، كان يتحدث بثقة وهدوء. حتى الذين رجحوا فوز فرنسا لم يفعلوا ذلك بمنطق الهزيمة المحتومة، بل بمنطق احترام منتخب عالمي كبير، مع إيمان راسخ بأن المغرب قادر على الانتصار.

قبل سنوات، لم يكن هذا هو المغربي الذي نعرفه. كان أكثر ميلا إلى التحفظ، وأكثر استعدادا لتوقع الأسوأ. حتى في لحظات الفرح، يختم ضحكته بعبارته الشهيرة: «الله يخرج الضحك على خير». وكأن الحذر قدر ملازم لشخصيته الجماعية.

ما الذي تغير؟

مند مونديال قطر، لم يعد هذا المنتخب مجرد فريق لكرة القدم، بل أصبح مدرسة في الثقة بالنفس. لقد منح المغاربة شعورا جديدا بقدرتهم على منافسة الكبار، وهو ما يسميه العلماء «الكفاءة الذاتية»، أي الإيمان بأن النجاح يصبح ممكنا عندما يؤمن الإنسان بقدراته. ولذلك لم تعد مواجهة فرنسا أو البرازيل أو الأرجنتين تثير الرهبة نفسها، بل أصبحت تحديا رياضيا عاديا يمكن كسبه كما يمكن خسارته.

لكن المفارقة ظهرت فوق أرضية الملعب.

لا أحد ينكر أن المنتخب الفرنسي من أقوى منتخبات العالم، ولا أحد يجادل في قيمة لاعبيه أو خبرة طاقمه التقني. كما لا يمكن اختزال المسار المتميز للمنتخب المغربي في نتيجة مباراة واحدة. غير أن الإحساس الذي راود كثيرا من المتابعين هو أن المنتخب لم يدخل المباراة بالشخصية التي عرفناه بها خلال السنوات الأخيرة.

لا أتحدث عن الجوانب التقنية أو التكتيكية، فذلك شأن المختصين، وإنما عن الجانب النفسي. بدا وكأن اللاعبين يحملون عبئا ثقيلا، فتراجعت المبادرة، وغابت الجرأة التي كانت دائما عنوان هذا المنتخب.

في علم النفس الرياضي، يميز الباحثون بين احترام المنافس والخضوع لهيبته. فحين تتحول قيمة الخصم إلى حضور ذهني طاغ، يفقد اللاعب جزءا من حريته في اتخاذ القرار، ويتراجع الإبداع أمام الخوف من الخطأ. لا أزعم أن هذا ما حدث يقينا، لكنه يظل سؤالا مشروعا أكثر منه حكما نهائيا.

وربما يزيد من تعقيد هذه المواجهات أنها ليست، بالنسبة إلى المغاربة، مجرد مباريات كرة قدم. ففرنسا ليست منافسا رياضيا فقط، بل جزء من ذاكرة تاريخية مشتركة، بكل ما تحمله من رموز وتمثلات. ويؤكد علم النفس الاجتماعي أن الذاكرة الجماعية قد تلقي بظلالها، أحيانا من حيث لا نشعر، على سلوك الأفراد والجماعات، حتى عندما تتغير موازين القوة في الواقع. ولا يعني ذلك أن الماضي يحسم نتائج المباريات، لكنه قد يضيف إليها حملا رمزيا لا يظهر في الإحصائيات.

ومع ذلك، فإن أهم ما خرجنا به من هذه المباراة ليس الهزيمة.

لقد ربح المغرب، منذ سنوات، جمهورا لم يعد يخاف من الكبار. وهذه الثورة النفسية هي الإنجاز الحقيقي الذي لا يمكن أن تمحوه تسعون دقيقة.

وربما كان الدرس الأهم أن المنتخب الذي نجح في تحرير المغاربة من عقدة الخوف، مطالب اليوم بأن يتحرر من ساندروم فرنسا ، لأن شخصيته الحقيقية لم تُبن على الحذر، بل على الجرأة، ولم تُصنع بالدفاع عن الممكن، بل بالسعي إلى ما كان يبدو مستحيلا.

لهذا، فإننا لا نغادر هذه المواجهة بشعور الهزيمة، بل بشعور الانتظار؛ انتظار المواجهة المقبلة، لأن المنتخبات الكبيرة محكومة بأن تلتقي أكثر من مرة، ولأن المغرب أصبح، هو الآخر، واحدا منها.

وبين ما يقال وما لا يقال… انتهت مباراة المغرب وفرنسا، أما المباراة التي انتظرها المغاربة حقا، فلم تُلعب بعد