فن وإعلام

القبيلة الرقمية..لماذا لم تعد الحقيقة كافية؟

ميمونة الحاج داهي (تدوينة)

هناك فرضية قديمة ما زالت تحكم تفكير كثير من الصحفيين، وهي أن وظيفة الإعلام هي إقناع الجمهور بالحقائق. غير أن هذه الفرضية لم تعد تفسر ما يحدث اليوم.

فلو كانت الحقيقة وحدها تصنع الرأي العام، لما انتشرت روايات هشة رغم سهولة تفنيدها، ولما بقيت وقائع موثقة عاجزة عن تغيير قناعات جمهور واسع. إذن فالمشكلة ليست في جودة المعلومات، وإنما في الطريقة التي تتشكل بها القناعات.

الرأي العام لا يبنى على المعلومات، بل على الثقة. والثقة لا تُمنح للمعلومة، وإنما تُمنح للجماعة التي تنقلها. لذلك فإن المتلقي لا يسأل في الغالب: هل هذه المعلومة صحيحة؟ بل يسأل، ولو بصورة غير واعية: هل جاءت من شخص أعتبره واحدا منا؟

وهنا يتغير دور الصحفي. فبدل أن يكون منتجا للحقيقة، يصبح عضوا داخل شبكة ثقة. وما إن يفقد موقعه داخل تلك الشبكة، حتى تفقد معلوماته قدرتها على التأثير، مهما بلغت دقتها.

لهذا السبب، لم تعد المنافسة الإعلامية تدور حول جودة المحتوى، وإنما حول امتلاك شبكات التوزيع الاجتماعي. فالمعلومة لا تنتشر لأنها صحيحة، بل لأنها وجدت جماعة مستعدة لتداولها والدفاع عنها. وكلما اتسعت هذه الجماعة، ازدادت قدرة الرواية على فرض نفسها باعتبارها حقيقة.

من هنا يمكن فهم التحول الذي تعرفه الاستراتيجيات السياسية. فالفاعلون السياسيون لم يعودوا يستثمرون فقط في الإعلانات أو في المنابر الإعلامية، بل في بناء منظومات تأثير متكاملة: صحفيون، مؤثرون، صناع محتوى، صفحات، مجموعات مغلقة، ومتطوعون. قيمة هذه المنظومات ليست في إنتاج المعلومات، بل في إنتاج الثقة التي تجعل المعلومات قابلة للتصديق.

في المقابل، قد يمتلك طرف آخر الوثائق والأرقام والخبراء، لكنه يفتقد إلى شبكة اجتماعية تتبنى خطابه. في هذه الحالة، تتحول الحقيقة إلى معلومة صحيحة سياسيا، لكنها ضعيفة اجتماعيا، ولذلك تعجز عن التأثير..لهذا لم يعد أحد يسأل من يملك الحقيقة؟ السؤال الأهم الآن هو من يملك "المجتمع" الذي سيمنح الحقيقة شرعيتها؟..

إن القوة في المجال العام انتقلت من امتلاك المعلومة إلى امتلاك شبكات الثقة. وهذه هي القاعدة التي تفسر اليوم كثيرا من نتائج الانتخابات، وحملات التضليل، والنجاحات الإعلامية التي تبدو، لأول وهلة، غير مفهومة...ليست الحقيقة هي التي تراجعت، بل تراجع احتكارها لعملية الإقناع. فقد دخل منافس جديد أكثر قوة إسمه: الانتماء..