وأنا أتابع منشورات لوي التوسير، التي كانت وقتها تباع بمات الآلاف من النسخ، والتي نقلت إلى نحو ثلاثين لغة، كنت أسمع بين حين وآخر، أنه يخضع الجلسات تحليل نفسي. لم يكن ليخطر ببالي أن الأمر لم يكن يتعلق بفضول معرفي وأن الفيلسوف ذا الأسلوب المغرق في الدقة والأناقة، والمنفتح على التيارات المستجدة بما فيها التحليل النفسي، يدخل بين حين وآخر، وبكيفية تزداد خطورة في نوبات عصبية تجبره على الإقامة في المستشفى.
ظل شخص آخر
بعد الفاجعة، سيعود لوي التوسير في نصوصه السيرذاتية إلى تفاصيل حياته منذ الطفولة. وسيقف مطولا عند حادثة تبدو بسيطة لأول وهلة، وهي أن الاسم الذي يحمله، هو اسم عمه الذي كان من المفترض أن يتزوج أمه قبل أن يتزوجها أبوه بعدما توفي العم لوي خلال الحرب العالمية الأولى. وسيقول إنه أحس طوال حياته أنه لا يوجد حقاً لذاته، وأنه كان يحيا بدلا من شخص آخر، وأنه سيبقى ظلا لعمه". هذه الحادثة مفتاح احتفظ به كثر ممن حاولوا فهم الهشاشة النفسية التي ستسم حياته إلى الأبد.
ما إن التحق بالمدرسة العليا للمعلمين سنة 1939 بتفوق كبير، وسنه لا تتجاوز العشرين عاما، حتى نودي عليه للالتحاق بالتجنيد دفاعا عن الوطن. سينضم إلى إحدى جبهات غرب فرنسا، إلا أنه سرعان ما وقع في قبضة المحتل، فأودع السجن الألماني لمدة خمس سنوات. ومن باب المفارقات التي هزت حياته سيكون هذا السجن تحولا عميقا مفاجئا في حياته كان تحولا سياسيا، وانقلابا فكريا. ففي هذا المعسكر سيلتقي هذا الشاب الكاثوليكي، لأول مرة في حياته، مناضلين عمال شيوعيين حقيقيين كان طيلة شبابه معتنقا وفيا للكاثوليكية، بل إنه انخرط في حركات الشباب الكاثوليكي.
هذا الرجل الذي سيصبح من أكبر منظري المادية التاريخية، بدأ حياته وهو يخطط للانضواء في سلك الرهبان. لذا فإن عالمه حتى تلك اللحظة كان عالم الصالونات الكاثوليكية، والثانويات المرموقة، والعائلات البورجوازية. كان يعرف الفكر الشيوعي من طريق الكتب والجرائد ومحادثات الكبار، لكنه لم يلتق قط وجها لوجه رجالا صنعوا تجربتهم في المصانع، وعاشوا الإضرابات والجبهة الشعبية وأولى موجات القمع.
وفجأة، في المعسكر الألماني، يجد هؤلاء الرجال من حوله، يتقاسمون معه الثكنة ويأكلون الحساء الشحيح ذاته، وينامون على التبن ذاته، فيتركون في نفسه أثرا بالغا. هؤلاء العمال الشيوعيون لا يشبهون شيئا مما عرفه من قبل. إنهم يمتلكون نظرة إلى العالم تمكنهم من الصمود في المحنة بقوة يرقبها بإعجاب. والأهم أنهم يحملون وعيا جماعيا. يتعاونون، ويتشاركون، ويقاومون على طريقتهم في ظروف المعسكر يحاورهم الشاب الكاثوليكي، يطرح الأسئلة، ويصغي إلى روايات تهزه في العمق. إن الواقع العمالي، كما يتجلى عبر كلام رفاقه، لا صلة له بالتجريدات التي رأها في الكتب. إنها أجساد حية تمزقها المعاناة، لكن أيضا يوحدها التضامن والأمل. الشاب الكاثوليكي الذي كان حتى تلك اللحظة يقرأ العالم بمفردات الخطيئة والرحمة، يكتشف مسارا آخر يقوم على العمل وصراع الطبقات والنضال.
هذا التحول لم يتم في ليلة واحدة، بل استغرق شهورا، وربما سنوات كاملة. ظل الشاب محتفظا لمدة بجزء من إيمانه الديني، ولم يتبرأ بسهولة من تربيته، بل راحيضيف ما يتعلمه من رفاقه الجدد فوق قناعاته القديمة. لكن شيئا ما في أعماقه كان يتحرك ببطء نحو الماركسية. وعندما خرج من المعسكر عام 1945، كانت التربة قد تهيأت لانتسابه إلى الحزب الشيوعي الفرنسي، الذي سيتم بعد ثلاث سنوات.
الانهيار
عاش التوسير في هذا الأسر تجارب أشد قتامة وأكثر خصوصية. سيستحضر لاحقا لحظات انهيار عصبي وأزمات نفسية. وعلى حد قوله، ففي تلك السنوات خلف الأسلاك الشائكة، تشكلت لأول مرة الاضطرابات النفسية التي لن تفارقه بعدها قبل الحرب كانت ثمة هشاشة نفسية، لكن تلك الهشاشة تحولت خلال الحرب مرضا رافقه بقية حياته.
عند نهاية الأربعينات دخل المستشفى النفسي لأول مرة، إلا أنها لن تكون الأخيرة. فوفق ما يرويه الذين تناولوا سيرته، دخل التوسير المستشفى نحو خمس عشرة مرة. خمس عشرة مرة تنقطع حياته فجأة ويجد نفسه محبوسا في قسم نفسي، أحيانا لأسابيع، وأحيانا لأشهر كاملة. وفي كل مرة تظل هيلين رفيقة دربه، إلى جانبه، تزوره، وتأتيه بالكتب والأخبار والملابس النظيفة، وتكلم الأطباء، وتفاوض على العلاج، وتصطحبه إلى البيت حين يؤذن له أخيرا بالخروج. أربعة وثلاثون عاما ممرضته بقدر ما كانت رفيقته، بل ومعلمته. فقد كانت أكبر منه سنا، وأكثر منه معرفة بالماركسية. بل سبقته في النضال الفعلي والمشاركة في المقاومة السرية، والانتماء إلى الحزب.
إلا أن هذا الرجل الذي كان ينهار شيئا فشيئا، ويمضي شهورا في المستشفى ويعيش على أدوية ثقيلة، استطاع، رغم ذلك كله، في الفترات التي تسمح له صحته، بأن ينتج فكرا بالغ الرصانة، أنيق الأسلوب عام 1948 انتسب رسميا إلى الحزب الشيوعي الفرنسي، وهو انتساب كلي في حقبة كان الحزب فيها لا يزال في أوج سطوته في فرنسا، إذ كان يصوت له قرابة ربع الفرنسيين. إلى جانب هذا الانتساب العملي إلى الماركسية، أخذ اسمه يلمع ابتداء من أواسط الستينات، كأكبر مجدد لفكر ماركس. يشهد لذلك الإقبال الشديد الذي لقيه كتابه الذي ظهر سنة 1965 تحت عنوان دفاعا عن ماركس"، وضم مقالات أساسية مجددة حول مفهومات الجدل والتناقض والأيديولوجيا والتاريخ، وكذا الكتاب الجماعي "قراءة الرأسمال" الذي دشن لإعادة قراءة ماركس.
الكارثة
تنفتح السبعينات على أجواء مضطربة المجد الفكري حاضر الكتب تباع والترجمات تتكاثر، والمؤتمرات الدولية تزهر، لكن الرجل في الداخل يسوء حاله أكثر فأكثر. يتوالى ارتياد المستشفى بشكل متقارب، خصوصا في منتصف السبعينات، فتقل الفترات التي يستطيع فيها الكتابة الفعلية تتراجع منشوراته بل إن بعض نصوصه في تلك الحقبة يشهد نقدا ذاتيا صارما. يبدأ بالحديث في صيغة مضمرة عن أزمة الماركسية، ويبدأ بالإقرار بأن الصرح النظري الذي شيده في الستينات لم يعد صامدا كما كان يظن. وعام 1978 أحدث فضيحة داخل الحزب الشيوعي الفرنسي، ففي سلسلة مقالات نشرتها صحيفة "لوموند"، اتهم الحزب بخيانة رسالته الثورية، ودان البيروقراطية والاستبداد والعجز عن الإصلاح.
يقترب رويدا رويدا عام 1980، وفي السادس عشر من شهر نوفمبر / تشرين الثاني تقع الكارثة التي ستتحطم فيها حياة من الفكر والحب في غضون دقائق في صمت شقة وظيفية بالمدرسة العليا. سيثبت الطب أن الرجل لم يكن في أتم قواة العقلية لحظة الجريمة، وهذا حسب القانون الفرنسي، كان كافيا لأن يعفيه نهائيا من المحاكمة، وسيودع مستشفى سيقيم فيه نحو ثلاثة أعوام في عزلة شبه تامة اللهم إلا من زيارة شقيقته وبعض الأصدقاء والطلبة في هذه العزلة، سيشرع في كتابة أكثر أعماله غرابة وإثارة للجدل طوال حياته.
يبدأ في كتابة سيرته الذاتية، وتحديدا نسختين متتاليتين منها، الأولى عام 1982 وهو لا يزال في المستشفى، قصيرة ومتشظية، والثانية عام 1985، أكثر طولا وتماسكا وبناء، تحت عنوان "المستقبل يدوم طويلا. لن ينشر هذه النصوص في حياته. وهو يحاول أن يروي فيها حياته منذ طفولته الجزائرية حتى صباحالسادس عشر من نوفمبر/ تشرين الثاني سنة 1980. ويحاول قبل كل شيء أن يفهم لماذا هذا الفعل ؟ كيف وصل إلى هذا الحد؟ ماذا جرى بالضبط في ذهنه؟ الصفحات التي يستحضر فيها موت هيلين رفيقة دربه تعد من أشد ما يمكن قراءته إيلاما في الأدب الفرنسي المعاصر. يقر فيها بمسؤوليته في الحدود التي تسمح له بها حالته النفسية. يبكي صديقته التي فقدها. ويصف بمزيج من الصحو والتردد الأفعال التي سبقت اللاعودة.
إنها رواية رجل اجتاز أزمة نفسية حادة، ذاكرته فيها منقوصة، وتأويلاته محكومة بتكوينه التحليلي النفسي، وهو في بعض المواضع يعيد بناء أفعال يقول إنه لا يتذكرها بالكامل. حين صدرت هذه النصوص عام 1992، بعد عامين من رحيل الفيلسوف، أحدثت زلزالا جديدا تصاعدت المبيعات وتدافعت التعليقات. رأى فريق من القراء أن النص أساس يعين على فهم الرجل ومأساته، في حين رأى فريق آخر على النقيض من ذلك، أنه محاولة للتبرير، وإخراج مسرحي بعد الممات يستأثر مجددا بكل المشهد، ويطمس مرة أخرى ذاكرة هيلين.
مادية المصادفة
قبيل وفاته سنة 1990 عن اثنين وسبعين عاما، واصل التفكير والكتابة. فقد طور في هذه السنوات الأخيرة تأملا فلسفيا جديدا، يبتعد فيه جزئيا عن الأطروحات الكبرى التي ميزت مرحلة مجده. وقد انصب اهتمامه على ما أسماه "مادية المصادفة" أو "المادية العرضية". وهي فكرة تلح على دور المصادفة والجواز في تاريخ المجتمعات. كأن الفيلسوف لم يعد في آخر حياته، يؤمن تماما بتلك البنى الكبرى المحددة التي نظر لها في ستينات القرن الماضي، كأن تجربة حياته الشخصية التي اخترقتها ضربات القدر، قد علمته أن يترك مساحة أوسع للمجهول والمصادفة والجواز.
هذا التحول الفكري مثير للاهتمام لأنه يظهر أنه حتى في خضم الانهيار، واصل التفكير، ومساءلة يقينياته، وتجديد نفسه. وهو يدفعنا إلى أن نتوقف قليلا عند علاقة تلك "النوبات" بالإنتاج الفكري، ولعل مقارنة نوبات التوسير بجنون نيتشه من شأنها أن تلقي بعض الأضواء على ذلك.
هناك فرق جوهري بين جنون نيتشه والأزمات الحادة التي كان يعرفها الفيلسوف الفرنسي نيتشه فكر" الجنون قبل أن يسقط فيه، بينما التوسير سقط فيه دون أن يعمل فيه فكره فلسفيا ففي حالة التوسير، كانت فترات الأزمات النفسية تتميز تميزا كاملا عن فترات الإنتاج الفكري، ويمكن اعتبارها، فلسفيا على الأقل، منفصلة عن إنتاجه النظري وكتاباته الأساسية ولغته اللامعة، وأسلوبه الرصين، حيث لم يكن المرض يعمل كمحرك للفكر، بل كقطع مأسوي مع الذات المفكرة. حتى اعترافاته اللاحقة في كتابه "المستقبل يدوم طويلا لا تضيف نظرية، بل تكشف هشاشة الشخص خلف الجهاز المفهومي. فكان الجنون، في حالة الفيلسوف الماركسي، لم يكن جنون فيلسوف كما كان الحال عند نيتشه، بقدر ما كان فاجعة إنسان.






