مجتمع وحوداث

الجبل المشتعل.. نار تكشف ما أخفته السياسة

نوال يكو (عضوة السكرتارية الوطنية للائتلاف المدني من أجل الجبل)
حين نرى النار تلتهم جبال تارودانت، نعتقد للوهلة الأولى أن ما يحترق هو الأشجار. لكن الحقيقة أكثر قسوة؛ فالأشجار ليست سوى آخر ما يحترق. قبلها بسنوات طويلة كان قد احترق الحق في التنمية، واحترق الإنصاف، واحترقت فكرة أن الإنسان يولد متساويا في الكرامة، مهما كان المكان الذي اختاره له القدر.

فالحرائق لا تبدأ حين تشتعل الأعشاب، بل تبدأ حين تتحول الجغرافيا إلى قدر سياسي، وحين يصبح الجبل مكانا لا ينظر إليه باعتباره فضاء يعيش فيه مواطنون كاملو الحقوق، بل مجرد هامش يمكن تأجيله إلى أجل غير مسمى.

وما يحدث اليوم في تارودانت ليس سوى فصل جديد من تاريخ يكتبه الجبل بلهيب الحرائق، وبصمت الزلازل، وبفيضانات العزلة، بينما يظل الإنسان الجبلي شاهدا وضحية في آن واحد. بالأمس اهتزت الأرض تحت أقدامهم في الزلزال، فانهارت البيوت وكأنها كانت تحمل تعب قرون. وقبل أن يلتئم الجرح، جاءت الفيضانات لتجرف الطرق والمسالك وتعزل الدواوير عن العالم. واليوم تأتي الحرائق لتلتهم ما تبقى من الغطاء الغابوي، ومن مصادر الرزق، ومن ذاكرة المكان.

غير أن السؤال الحقيقي ليس لماذا تتكرر الكوارث، بل لماذا تتحول في الجبل، كل مرة، إلى مآس إنسانية؟

فالزلزال لم يخلق الهشاشة، بل كشفها. والفيضانات لم تصنع العزلة، بل أظهرت أنها كانت قائمة منذ زمن. والحرائق لم تُحرق الأشجار وحدها، بل كشفت احتراق فكرة الإنصاف نفسها. فالكوارث الطبيعية لا تُنتج الظلم، وإنما تفضحه. إنها اللحظة التي تنكشف فيها الفجوة بين وطن يعلن المساواة في النصوص، وواقع يجعل الجغرافيا تحدد نصيب الإنسان من الحقوق.

قد تبدو هذه الكوارث منفصلة، لكنها في حقيقتها تعيد طرح السؤال نفسه: ماذا يحدث عندما يترك الإنسان وحيدا في مواجهة الطبيعة؟

فالطبيعة ليست عادلة ولا ظالمة، إنها تعمل وفق قوانينها. أما العدالة فهي مسؤولية الدولة. والزلازل لا تتحول إلى مآسٍ بسبب قوتها فقط، بل بسبب هشاشة البناء. والفيضانات لا تصبح عزلة إلا حين تغيب الطرق. والحرائق لا تتحول إلى كوارث وطنية إلا عندما تغيب الوقاية والإمكانات والرؤية.

إن الكارثة الحقيقية ليست في غضب الطبيعة، بل في صمت السياسة.

لقد اعتدنا أن نصف الجبل بأنه فضاء للسياحة، ومكانا يقصده الناس للاستمتاع بجماله، والتقاط الصور بين أشجاره، واستنشاق هوائه النقي. لكنه أصبح أيضا وجهة لزوار من نوع آخر؛ أولئك الذين لا يصعدون إليه إلا عندما تقترب الانتخابات. يصعدون محملين بالوعود، ويغادرون محملين بالأصوات. وبين الزيارة الأولى والزيارة الثانية، يظل الجبل وحيدا، يواجه الثلوج والزلزال والفيضانات والحرائق، بينما تتبخر الوعود كما يتبخر دخان الحملات الانتخابية.

لقد تحول الجبل، في كثير من الممارسات السياسية، من فضاء للحياة إلى خزان انتخابي، ومن مواطنين لهم حقوق إلى مجرد أرقام في صناديق الاقتراع. وما إن تغلق الصناديق، حتى تغلق معها الطرق المؤدية إلى القرى، ويعود الصمت سيد المكان، كأن الجبل لا يدخل في حسابات السياسة إلا عندما يصبح صوته مطلوبا.

وأخطر أشكال التهميش ليس أن ينسى الإنسان، بل أن يُتذكر فقط عندما يصبح مفيدا. فالجبل لا يغيب عن ذاكرة بعض السياسيين، لكنه لا يحضر فيها إلا بوصفه رصيدا انتخابيا، لا قضية وطنية. يعرفون الطريق إليه حين يحتاجون أصوات سكانه، لكنهم ينسونه حين يحتاج مدرسة، أو مستشفى، أو طريقا، أو حماية من حريق، أو تعويضا بعد زلزال.

والمفارقة الأكثر قسوة أن هذا الجبل، الذي يعامل باعتباره هامشا، هو في الحقيقة أحد أهم مراكز إنتاج الثروة. فمنه تنبع المياه، وتحيا الغابات، ويحفظ التنوع البيولوجي، وتنبعث إمكانات فلاحية وسياحية وبيئية هائلة. إنه يمنح البلاد أسباب الحياة، لكنه يعجز عن توفير شروط الحياة الكريمة لأبنائه.

إنها مفارقة وجودية موجعة؛ الجبل يطعم الوطن، لكنه يجوع. يحمي توازنه البيئي، لكنه يترك دون حماية. يصنع الثروة، لكنه لا ينال منها إلا الفقر.

ولذلك، فإن الحرائق التي نراها اليوم ليست مجرد نار في الغابة، بل هي احتجاج صامت للطبيعة على اختلال علاقتنا بالمجال. وكأن الجبل يقول لنا: لقد حملت عنكم الماء والغابات والهواء والثروات، لكنكم لم تحملوا عني شيئا من أعبائي.

إن الدول لا تقاس بطريقة تعاملها مع مراكز القوة، بل بطريقة إنصافها لمجالاتها الأكثر هشاشة. فهناك يختبر معنى الدولة، وهناك تتجلى حقيقة العدالة المجالية.

ولهذا، فإن المطالبة بقانون للجبل ليست مطلبا قطاعيا، ولا امتيازا لفئة دون أخرى، بل هي دفاع عن فلسفة جديدة في بناء الدولة؛ فلسفة تعترف بأن المساواة لا تعني معاملة المجالات المختلفة بالطريقة نفسها، وإنما تعني منح كل مجال ما يحتاجه حتى يبلغ المستوى نفسه من الكرامة والحقوق.

فقانون الجبل ليس مجرد نص تشريعي، بل هو اعتراف أخلاقي وسياسي بأن هذه المناطق ليست خزانا انتخابيا يفتح عند الحاجة ويغلق بعد انتهاء الاقتراع، وليست فضاء يستحضر عند الكوارث ثم ينسى بعدها، وإنما جزء أصيل من الوطن، يستحق سياسات عمومية دائمة، واستثمارات عادلة، وحقوقا لا ترتبط بالمواسم الانتخابية ولا بحجم المآسي.

قد تنطفئ حرائق تارودانت خلال أيام، وستعود نشرات الأخبار إلى مواضيع أخرى، لكن السؤال سيظل مشتعلا: كم كارثة أخرى يحتاجها الجبل حتى يعترف بحقه في الحياة؟

فليست الحضارة أن تضيء المدن بينما تظل الأطراف غارقة في العتمة، وليست الدولة أن تتدخل بعد الكارثة، بل أن تبني مناعة تحول دون أن تتحول الكارثة إلى قدر دائم. والجبل لا يطلب امتيازا، ولا ينتظر شفقة، بل يطالب بأن يعامل بوصفه شريكا كاملا في الوطن، لا مجرد خزان للثروات وخزان للأصوات.

إن قانونا للجبل ليس مجرد مشروع تنموي، بل هو تعاقد أخلاقي وسياسي جديد، يعلن نهاية زمن استثمار الجبل انتخابيا، وبداية زمن الاعتراف به فضاء للكرامة والعدالة والمواطنة الكاملة.