يلامس هذا الموضوع واحدة من أكثر القضايا حساسية في مسار الإصلاح السياسي المغربي: هو إصلاح الأحزاب. فهل يمكن إصلاح الدولة والمؤسسات والانتخابات دون إصلاح الأحزاب نفسها؟ إن إصلاح الأحزاب هو جزء لا يتجزأ من المنظومة السياسية ككل. لذلك فإن المقصود بـ«التطهير السياسي» التطهير المؤسساتي والأخلاقي والقانوني، وليس تطهير الإقصاء أو الحل الإداري للأحزاب.
إن الحديث عن «تطهير الأحزاب» ينبغي أن يكون المقصود منه هو "تخليص الحياة الحزبية من الفساد الانتخابي، والزبونية، والريع، والمال غير المشروع، والتحكم في الترشيحات، وشراء الولاءات، والترحال السياسي، وهيمنة الأشخاص، وضعف الديمقراطية الداخلية، وتضارب المصالح، مع الحفاظ الكامل على التعددية وحرية التنظيم".
* لماذا أصبح إصلاح الأحزاب مطلباً ملحاً وضرورة قصوى؟
لقد منح الدستور المغربي الأحزاب السياسية مكانة مركزية؛ فهي تعمل على تأطير المواطنات والمواطنين وتكوينهم السياسي، وتعزيز مشاركتهم في الحياة الوطنية، والمساهمة في التعبير عن إرادة الناخبين والمشاركة في ممارسة السلطة بالوسائل الديمقراطية. كما ينص الدستور أيضا على أن تنظيم الأحزاب وتسييرها يجب أن يكونا مطابقين للمبادئ الديمقراطية.
وبالتالي، فإن أزمة الحزب ليست أزمة تنظيمية داخلية فقط؛ إنها أزمة في إنتاج الديمقراطية نفسها. فإذا كان الحزب لا يجدد قياداته؛ ولا يحترم الديمقراطية الداخلية؛ ويجعل التزكية الانتخابية امتيازاً شخصياً؛ ويعتمد على الأعيان بدل المناضلين؛ ويوظف المال في صناعة النفوذ؛ ويسمح بالترحال السياسي؛ ويفصل بين البرنامج والممارسة؛ ولا يحاسب قياداته بعد الانتخابات؛
فإن الانتخابات تتحول تدريجياً من آلية لإنتاج التمثيلية السياسية إلى آلية لإعادة إنتاج النخب ذاتها.
* المشكلة ليست في تعدد الأحزاب بل في نوعية الحياة الحزبية،
لذلك، فإن المغرب لا يعاني أساساً من نقص في الأحزاب، وإنما من سؤال أكثر عمقاً: ما الوظيفة التي تؤديها الأحزاب داخل النظام الديمقراطي؟ فالعدد الكبير من التنظيمات السياسية لا يعني بالضرورة تعددية سياسية حقيقية. فالتعددية تقاس بقدرة الأحزاب على تقديم: برامج مختلفة، نخب جديدة، اختيارات سياسية واضحة، ديمقراطية داخلية، وقدرة على التأطير والمساءلة. أما حين تتقارب البرامج والخطابات، وتصبح المنافسة أساساً حول المواقع والمرشحين، فإن المواطن قد يجد نفسه أمام تعددية تنظيمية أكثر منها تعددية سياسية وبرامجية.
* من «إصلاح القانون» إلى «إصلاح الممارسة»،
لقد راكم المغرب خلال السنوات الماضية تعديلات مهمة في الإطار القانوني المنظم للأحزاب. وتعرض حالياً الأمانة العامة للحكومة "القانون التنظيمي المتعلق بالأحزاب" ضمن النصوص المهمة، بما في ذلك القانون التنظيمي رقم 54.25 إلى جانب النصوص السابقة. كما أن تعديلات 2026 تناولت قضايا مرتبطة بتأسيس الأحزاب، وتمثيلية الجهات، ومشاركة الشباب، والشفافية، والتمويل، والحكامة، وربط المسؤولية بالمحاسبة. لكن التحدي الحقيقي يبدأ من هنا، هل تستطيع القوانين وحدها أن تنتج أحزاباً ديمقراطية؟ والجواب هو: لا. فالقانون يستطيع أن يضع قواعد المنافسة، لكنه لا يستطيع وحده أن يصنع ثقافة ديمقراطية داخل التنظيمات. ولهذا فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى الانتقال من إصلاح النصوص إلى "إصلاح السلوك السياسي".
* ماذا يعني «تطهير الأحزاب»؟ إن مفهوم التطهير الحزبي بالنسبة إلينا يتمحور حول سبعة مداخل:
* أولاً: التطهير المالي، من خلال إخضاع مالية الأحزاب لمراقبة أكثر صرامة، وربط الاستفادة من التمويل العمومي باحترام قواعد الشفافية والمحاسبة. وقد شهدت سنة 2026، بالفعل تعديلات مرتبطة بموارد الأحزاب ونفقاتها وشروط الاستفادة من الدعم العمومي.
* ثانياً: تطهير العملية الانتخابية داخل الحزب، بحيث يجب أن تصبح التزكية الانتخابية نتيجة لمساطر واضحة وتنافسية، لا نتيجة لعلاقات شخصية أو قدرة مالية أو قرب من القيادة.
* ثالثاً: مكافحة تضارب المصالح، فلا يمكن بناء ثقة سياسية حقيقية إذا اختلطت المسؤولية الحزبية بالمصالح الاقتصادية أو الانتفاع من الموقع السياسي.
* رابعاً: تجفيف منابع الترحال السياسي، لأن الترحال لا يضر فقط بصورة النائب أو المنتخب؛ بل يضرب بإرادة الناخب التي أنتجت التمثيلية السياسية.
* خامساً: تجديد النخب، ذلك أن الحزب الذي لا يجدد نخبته يتحول تدريجياً إلى مؤسسة مغلقة. وهنا ينبغي ألا يكون الشباب مجرد واجهة انتخابية، بل أن يتحولوا إلى منتجين للسياسات والبرامج والقيادات.
* سادساً: الديمقراطية الداخلية، فمن المفارقات أن بعض الأحزاب قد تطالب بالديمقراطية في الدولة، بينما تعاني داخلها من ضعف الديمقراطية. والقاعدة بسيطة: "فلا يمكن لحزب غير ديمقراطي داخلياً أن يكون مدرسة حقيقية للديمقراطية الوطنية". والقانون التنظيمي نفسه يشترط أن تنظم الأحزاب وتسير وفق مبادئ ديمقراطية.
* سابعاً: تطهير الخطاب السياسي، أي الانتقال من خطاب انتخابي موسمي إلى خطاب مسؤول، قائم على الأرقام والبرامج والالتزامات القابلة للقياس.
* الإصلاح يبدأ من «المحاسبة»،
إن المشكلة الأكثر خطورة ليست أن يفشل حزب في تنفيذ برنامجه، وإنما ألا يتحمل أحد مسؤولية الفشل، لذلك ينبغي تطوير مفهوم جديد: المسؤولية السياسية القابلة للقياس. أي أن يقدم كل حزب، قبل الانتخابات، برنامجاً يتضمن أهدافاً ومؤشرات واضحة، ثم يقدم بعد انتهاء الولاية أجوبة عن: ماذا وعد؟ ماذا أنجز؟ ماذا لم ينجز؟ لماذا؟ ومن يتحمل المسؤولية؟ وهنا يمكن للانتخابات أن تتحول من مجرد منافسة على المقاعد إلى آلية للمحاسبة الديمقراطية.
* هل نحتاج إلى «تطهير» الأحزاب أم إلى «إعادة بناء» الأحزاب؟
ربما يكون التعبير الأكثر دقة هو: إعادة بناء الحياة الحزبية على أساس النزاهة والديمقراطية والكفاءة والمساءلة. لأن التطهير إذا فهم باعتباره إقصاءً سياسياً قد يتحول إلى أداة ضد التعددية. أما إذا فهم باعتباره تنظيفاً للممارسة، تطبيقاً للقانون، شفافية مالية، ديمقراطية داخلية، تجديداً للنخب، ومحاسبة انتخابية،
فإنه يصبح أحد أهم مداخل الإصلاح السياسي.
* انتخابات 2026: الاختبار الحقيقي،
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في سياق الاستحقاقات التشريعية لسنة 2026. فالاختبار الحقيقي للأحزاب ليس فقط كم مقعداً ستحصل عليه، وإنما: هل تستطيع استعادة ثقة المواطن؟ وهنا تبرز أربعة مؤشرات ينبغي مراقبتها:
* نسبة المشاركة السياسية والانتخابية؛
* نوعية المرشحين وتجديد النخب؛
* مستوى التنافس البرامجي؛
* وقدرة الأحزاب على تقديم حساب سياسي عن الولاية السابقة.
ومن هذه الزاوية، فإن انتخابات 2026 لن تكون استحقاقاً انتخابياً؛ بل قد تكون اختباراً لمدى قدرة النظام الحزبي المغربي على تجديد نفسه.
* نحو «ميثاق وطني للنزاهة الحزبية»،
قد يكون من المفيد التفكير في إقرار ميثاق وطني للنزاهة السياسية والحزبية، تشارك في صياغته الأحزاب والبرلمان والمؤسسات الدستورية والمجتمع المدني والجامعة.
ويتضمن، مثلاً:
* التمويل: مع شفافية كاملة ومراقبة فعالة،
* الترشيحات: من خلال مساطر ديمقراطية وتنافسية،
* القيادة: مع التداول وتجديد النخب، مع تمكين حقيقي للشباب وليس فقط تمكيناً رمزياً،
* مشاركة قوية للنساء: محاربة الترحال من خلال تشديد قواعد الانضباط السياسي، الحد من تضارب المصالح...،
* برامج: تحمل أهدافاً قابلة للقياس،
* المحاسبة: من خلال تقييم دوري للمنتخبين،
* تعزيز الديمقراطية الداخلية: من خلال مؤتمرات وانتخابات حزبية حقيقية.
في الخلاصة، إن الإصلاح السياسي في المغرب لن يكتمل بإصلاح القوانين الانتخابية وحدها، ولا بتغيير نمط الاقتراع وحده، ولا بإعادة توزيع المقاعد بين الأحزاب. بل إن الإصلاح الحقيقي يبدأ من السؤال الأصعب: أي أحزاب نريد للمغرب؟ أحزاباً انتخابية تبحث عن المقاعد؟ أم أحزاباً مؤسساتية تصنع السياسات وتنتج النخب وتؤطر المواطن وتراقب الحكومة وتقدم البدائل؟
إن تطهير الحياة الحزبية من مظاهر الفساد والريع والزبونية والمال السياسي والتسلط الداخلي ليس حرباً على الأحزاب؛ بل هو دفاع عن الأحزاب نفسها وعن الديمقراطية. والقاعدة التي ينبغي أن تحكم المرحلة المقبلة هي: "لا ديمقراطية قوية بأحزاب ضعيفة، ولا أحزاب قوية دون ديمقراطية داخلية، ولا إصلاح سياسي حقيقي دون ربط المسؤولية بالمحاسبة". ولذلك يمكن اختزال الأطروحة في معادلة واحدة:
"تطهير الأحزاب يؤدي إلى استعادة الثقة، ويؤدي إلى تجديد النخب وتحسين التمثيلية وتقوية المؤسسات وإصلاح سياسي مستدام."
واللافت أن النصوص الدستورية والقانونية المغربية نفسها تربط بين الديمقراطية والحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة، وهو ما يجعل إصلاح الممارسة الحزبية امتداداً طبيعياً للإطار الدستوري، وليس مطلباً سياسياً خارج منظومة المؤسسات.






