سياسة واقتصاد

التفاهة السياسية... بداية نهاية

مريم جمال الادريسي
لم تعد التفاهة السياسية مجرد ضعف في الخطاب أو فقر في الأفكار، بل أصبحت، في بعض الممارسات الحزبية، منظومة متكاملة تفرغ العمل السياسي من معناه النبيل، وتحوله من مجال لخدمة المواطن والدفاع عن الصالح العام إلى سوق تعرض فيه المواقع، وتباع فيه التزكيات، وتقاس فيه قيمة المناضلين والمناضلات بقدرتهم على الدفع أو النفوذ، لا بما راكموه من كفاءة ونزاهة والتزام.

لقد أصبحت بعض الأحزاب، بما فيها تلك التي تتغنى بالديمقراطية والحداثة والتقدمية، أقرب إلى دكاكين انتخابية تفتح أبوابها كلما اقتربت الاستحقاقات، وتغلق بمجرد توزيع المقاعد والمواقع. وفي هذه الدكاكين لا تكون الأولوية للأكثر كفاءة، ولا للأكثر التصاقا بقضايا المواطنين، ولا لمن قضوا سنوات في النضال والتأطير والعمل الميداني، بل لمن يمتلك المال، أو شبكة المصالح، أو القدرة على ضمان الولاء والصمت، حتى وإن كان غريبا عن العمل السياسي والانتماء الحزبي، يصير بين عشية وضحاها مرحبا به وبمحفظته المالية.... 

هكذا تتحول التزكية من تكليف سياسي ومسؤولية أخلاقية إلى سلعة خاضعة لمنطق العرض والطلب، وتتحول لجان الترشيح والتأهيل، في بعض الأحيان، من آليات موضوعية لاختيار الكفاءات إلى مجرد ديكور تنظيمي يمنح الشرعية لقرارات جاهزة سلفا. تنظم اللقاءات، وتلقى الكلمات، وتقدم البرامج والمشاريع، لكن الحسم الحقيقي قد يجري في مكان آخر، ووفق معايير لا علاقة لها بالكفاءة أو الديمقراطية أو مصلحة الحزب والوطن، اه على هذا الوطن!

الأكثر إيلاما أن هذه الممارسات لا ترتكب دائما في الخفاء، بل يجري أحيانا تأثيث المنصات والواجهات الحزبية بأسماء وشخصيات يراد منها إضفاء مسحة من الشرعية على اختيارات تفتقر إلى النزاهة الأخلاقية والسياسية. يجلس الجميع حول الطاولة، وتستعمل لغة الديمقراطية والتشاور وتكافؤ الفرص، بينما تكون النتائج محكومة بمنطق النفوذ والمال والحسابات الضيقة. وهنا تصبح المؤسسات الحزبية مجرد مسرح، وتتحول الديمقراطية الداخلية إلى عرض شكلي، ويطلب من المناضلين أن يصفقوا لقرارات لم يشاركوا في صنعها.

أما النساء، فإنهن يدفعن الثمن مضاعفا. ففي الخطاب، ترفع صورهن في المؤتمرات، وتخصص لهن الندوات، وتردد باسمهن شعارات المناصفة والمساواة والتمكين. لكن عند توزيع السلطة الحقيقية، ووضع اللوائح، ومنح التزكيات، تبدأ العراقيل والشروط غير المعلنة، ويعاد إنتاج الذهنية الذكورية نفسها، ولو تحت غطاء حداثي وتقدمي...سكيزوفرينيا علنية...

يتم استدعاء المرأة لتأثيث صورة الحزب، لا للمشاركة الفعلية في قراره، توضع في الصفوف الأمامية حين تكون الكاميرات حاضرة، ثم تدفع إلى الهامش عندما تبدأ عملية توزيع المواقع. يراد لها أن تكون واجهة جميلة للحداثة، لا فاعلة سياسية مستقلة تمتلك الرأي والمشروع والقدرة على القيادة. وإذا طالبت بحقها في الإنصاف، وصفت بأنها طموحة أكثر مما ينبغي، أو غير منضبطة، أو غير قادرة على “المساهمة”، وكأن الحقوق السياسية تشترى، وكأن الكفاءة لا قيمة لها ما لم تدعم بالمال أو العلاقات... وأي علاقات؟ 

إن التمييز الإيجابي لفائدة النساء لم يقر ليكون منحة حزبية قابلة للمساومة، ولا امتيازا يمنح مقابل الولاء أو القدرة المالية. لقد جاء لمعالجة اختلال تاريخي وبنيوي حرم النساء طويلا من الوصول المتكافئ إلى مواقع القرار. ولذلك فإن إخضاع استفادة المرأة من آليات التمثيل لشروط مالية أو مزاجية غير منصوص عليها قانونا يفرغ التمييز الإيجابي من فلسفته، ويحوله من وسيلة للإنصاف إلى أداة جديدة للإقصاء والتهميش، بشكل أشد قساوة من التمييز المجرم، بل إنه كذلك.

ولا يمكن لأي حزب أن يدعي التقدمية بينما يمارس التمييز داخل مؤسساته، أو يرفع شعار المناصفة وهو لا يعترف بالمرأة إلا حين يحتاج إلى صورتها أو صوتها. فالتقدمية ليست لونا في الملصقات الانتخابية، ولا كلمات محفوظة في البيانات، بل ممارسة يومية تقوم على احترام الكفاءة، واستقلالية القرار، وشفافية الاختيار، وربط المسؤولية بالمحاسبة.

حين تتحول السياسة إلى سباق نحو المواقع، وحين يصبح المال أقوى من المشروع، والولاء أهم من الكفاءة، والصمت أثمن من الصراحة، نكون أمام فساد سياسي مؤلم، حتى وإن اتخذ أشكالا قانونية أو تنظيمية. فالفساد لا يبدأ فقط من اختلاس المال العام، بل يبدأ أيضا من اغتيال الاستحقاق، وتطبيع المحاباة، وإقصاء الكفاءات، وإفراغ المؤسسات من المصداقية.

إن أخطر ما في التفاهة السياسية أنها لا تفسد الأحزاب وحدها، بل تفسد ثقة المواطنين في السياسة برمتها. وعندما يرى المواطن أن التزكيات تمنح وفق القدرة المالية أو القرب من مراكز النفوذ، وأن البرامج لا تقرأ، وأن الكفاءات تهمش، وأن النساء يستعملن كواجهة ثم يقصين من القرار، فإنه لا يعاقب حزبا بعينه، بل يفقد ثقته في المؤسسات وفي جدوى المشاركة السياسية... وهنا يصبح الحزب منتجا لوظائف عكسية ومفسدة لما كان وما يجب أن يكون.

لقد أصبحت الأمور تافهة إلى درجة الفساد المؤلم، فساد يمس المعنى قبل أن يمس المال، ويهدم القيم قبل أن يهدم المؤسسات. وما نحتاجه اليوم ليس مزيدا من الشعارات، بل شجاعة أخلاقية تعيد للسياسة معناها، وللنضال قيمته، وللكفاءة مكانتها، وللنساء حقهن الكامل في الحضور والقرار والقيادة.

فالسياسة التي لا تبنى على الأخلاق تتحول إلى تجارة، والديمقراطية التي لا تمارس داخل الأحزاب تصبح مجرد ادعاء، والتقدمية التي لا تنصف النساء ليست سوى قناع جميل يخفي وراءه واقعا محافظا ومصلحيا.

إن إنقاذ السياسة يبدأ بكسر الصمت عن هذه الممارسات، وبالدفاع عن أحزاب المؤسسات لا أحزاب الأشخاص، وعن التزكية باعتبارها تكليفا لا صفقة، وعن المرأة باعتبارها شريكة كاملة في صناعة القرار، لا قطعة ديكور في مشهد انتخابي زائف، أو اسما مدرجا في لائحة مزاد علني.

فالمرأة ليست أثاثا للمنصات، والكفاءة ليست سلعة، والسياسة ليست دكانا. وحين تضيع هذه الحقائق، لا يبقى من الديمقراطية إلا اسمها، ولا من التقدمية إلا شعارها، ولا من العمل الحزبي إلا تفاهة موجعة تدار باسم السياسة.

للأسف...