رأي

بنسعيد الركيبي: تتحول العداوة إلى قاموس.. كيف يعيد الإعلام الجزائري تسمية المغرب؟

في الحروب الإعلامية، تبدأ المعركة عادة من الكلمات. فالطرف الذي ينجح في فرض قاموسه يقطع نصف الطريق نحو فرض روايته، لأن تسمية الأشياء تحدد الطريقة التي يراها بها الجمهور. ومن يتابع الخطاب الجزائري الموجه ضد المغرب يلاحظ أن الأمر تجاوز حدود النقد السياسي والخلاف الدبلوماسي، وتحول إلى صناعة لغوية متكاملة تسعى إلى إعادة تعريف المغرب دولة ونظاما وشعبا وتاريخا.

في هذا القاموس، يختفي اسم "الدولة المغربية" تدريجيا، وتحل محله كلمة (المخزن). ويختفي (المغاربة) ليظهر (العياشة) و(المراركة) و(الزلايجية). ويختفي المغرب بوصفه دولة عريقة، ليظهر "الكيان المراكشي" و "مملكة مراكش" و "صنيعة ليوطي". أما مؤسساته وإعلامه ودبلوماسيته فتتحول إلى "أجهزة المخزن" و "أبواق المخزن" و "ذباب المخزن". هكذا يصبح كل ما هو مغربي امتدادا لجهاز غامض، وكل مواطن يدافع عن وطنه موظفا أو عميلا أو فردا في قطيع.

قد يبدو مصطلح (المخزن) عاديا بحكم استعماله داخل المغرب نفسه في الكتابة التاريخية والسياسية، غير أن توظيفه المكثف في الإعلام الجزائري يؤدي وظيفة مختلفة تماما. فهو لا يستعمل لوصف بنية الحكم في مرحلة تاريخية أو تحليل طبيعة السلطة، بل يوظف بديلا دائما عن اسم المغرب. والغاية واضحة: نزع صفة الدولة عن الدولة، وفصل المؤسسات عن شرعيتها الوطنية، وتقديم المغرب كمنظومة أمنية مغلقة تسيطر على أرض وسكان.

ومن هذا الأصل تتفرع بقية التسميات: «نظام المخزن»، «دولة المخزن»، «سلطات المخزن»، «دبلوماسية المخزن»، «مخابرات المخزن»، «أبواق المخزن» و«الذباب المخزني». الكلمات مختلفة والرسالة واحدة: لا وجود في المغرب لمؤسسات أو صحافة أو دبلوماسية أو رأي عام؛ هناك مخزن واحد يحرك الجميع. وبهذه الحيلة الجاهزة يصبح من السهل إلغاء كل رأي مغربي مخالف للرواية الجزائرية، لأن صاحبه يصنف مسبقا ضمن خدام المخزن.

وعندما يتعلق الأمر بتاريخ المغرب، ينتقل القاموس من نزع الشرعية السياسية إلى نزع الشرعية التاريخية. تظهر تعبيرات مثل «الكيان المراكشي»، و «مملكة مراكش»، و «ماروك»، و «الدولة التي صنعها ليوطي»، و «الكيان الذي أنشأته فرنسا». هذه التسميات لا تهدف إلى مناقشة واقعة تاريخية محددة، بل تسعى إلى إقناع المتلقي بأن المغرب دولة حديثة ومصطنعة وبلا امتداد تاريخي. لذلك يجري تجاهل الدول التي تعاقبت على حكم المغرب، والبيعة والسلطنة والعلاقات الدبلوماسية والمعاهدات الدولية التي سبقت الحماية بقرون، وكأن تغيير لقب الحاكم من سلطان إلى ملك سنة 1957 خلق الدولة من العدم.

ويتخذ القاموس طابعا أكثر عدوانية عند تناول قضية الصحراء، فيتحول المغرب إلى «قوة احتلال»، والدولة إلى «نظام استعماري»، والوحدة الترابية إلى «مشروع توسعي»، والاستثمار إلى «نهب للثروات»، والدفاع عن الحدود إلى «قمع استعماري». هنا تنقلب المواقع بالكامل: دولة استكملت وحدتها الترابية بعد مرحلة الحماية تقدم بوصفها قوة استعمارية، وتنظيم مسلح أقيم فوق الأراضي الجزائرية يقدم بوصفه حركة تحرر مستقلة عن الدولة التي تؤويه وتموله وتسلحه وتفتح له منابرها.

ثم جاء استئناف العلاقات المغربية الإسرائيلية ليمنح هذه الصناعة اللغوية مخزونا جديدا. ظهر «المخزن الصهيوني»، و«النظام المتصهين»، و«المحمية الصهيونية»، و«الحديقة الخلفية لإسرائيل»، و«حصان طروادة الصهيوني في إفريقيا». لم يعد التطبيع قرارا سياسيا قابلا للنقد، بل صار هوية تلصق بالدولة والمجتمع. والمفارقة أن الخطاب نفسه يتعامل بقدر أكبر من التحفظ مع دول تقيم علاقات دبلوماسية كاملة وسفارات وتعاونا أقدم وأوسع مع إسرائيل، بينما يتحول مكتب الاتصال في الرباط إلى دليل على أن المغرب أصبح قاعدة صهيونية تهدد المنطقة.

ويضاف إلى ذلك قاموس المخدرات: «مملكة الحشيش»، و «مملكة القنب»، و «ناركو دولة»، و «ناركو مملكة»، و «دولة تهريب السموم». وظيفة هذه الألفاظ هي نقل الخصومة من المجال السياسي إلى المجال الجنائي، حتى يبدو المغرب تنظيما إجراميا كبيرا يرتدي شكل دولة. وكل كمية مخدرات تضبط داخل الجزائر تنسب إلى المغرب قبل تقديم التحقيقات، وكأن الحدود الطويلة والأجهزة الأمنية وشبكات التهريب لا وجود لها، وكأن الدولة المغربية تشرف بنفسها على كل رزمة تعبر المنطقة.

غير أن أخطر تحول يقع حين ينتقل هذا القاموس من مهاجمة النظام إلى إهانة الشعب. فالخطاب الرسمي وشبه الرسمي يكرر عبارة «الشعب المغربي الشقيق» لإظهار أن الخلاف مع «المخزن» وحده، ثم تنطلق المنابر الرقمية التابعة للمناخ الدعائي نفسه في وصف المغاربة بـ «المراركة» و «العياشة» و «الزلايجية» و «عبيد الملك» و «قطيع المخزن» و «أحفاد بوسبير». هنا يسقط القناع: المغربي يظل شقيقا ما دام يهاجم دولته، ويصبح عياشيا وصهيونيا ومخزنيا عندما يدافع عن وطنه ووحدته الترابية.

أما مصطلح «الزلايجية» فيكشف وجها آخر لهذه الحرب، لأن معركة التشويه تجاوزت السياسة والجغرافيا إلى الثقافة والتراث. فالمغربي الذي يدافع عن أصل الزليج أو القفطان أو الموسيقى أو المطبخ يوصف بأنه «سارق للتراث» أو «زلايجي». بذلك يراد تحويل اعتزاز المغاربة بتراثهم إلى عقدة نفسية، وتحويل كل إنجاز ثقافي أو رياضي أو دبلوماسي إلى عملية سرقة أو مؤامرة أو دعاية مخزنية.

هذه اللغة لا تنتجها كل فئات الشعب الجزائري، والإنصاف يفرض الفصل بين الجزائريين وبين آلة إعلامية جعلت المغرب مادة يومية للتعبئة. داخل الجزائر أصوات عاقلة ترفض هذا الانحدار، كما توجد في المغرب أصوات ترد بشتائم مماثلة تزيد المشهد تسمما. غير أن الفارق يكمن في انتقال عدد من المصطلحات العدائية من تعليقات مجهولة إلى صحف وقنوات ومنابر قريبة من المؤسسات، حتى أصبح القاموس الرقمي يجد شرعيته في الإعلام، والإعلام يستمد مفرداته من القاموس الرقمي.

نحن أمام منظومة لغوية تبدأ بتجريد المغرب من اسمه، ثم تنزع عن دولته الشرعية، وعن تاريخه الاستمرارية، وعن سياساته العقلانية، وعن مواطنيه حق التعبير عن وطنيتهم. إنها محاولة لبناء مغرب متخيل: كيان صنعته فرنسا، يحكمه المخزن، ويموله الحشيش، وتحركه إسرائيل، ويدافع عنه قطيع من العياشة. وكلما تناقض الواقع مع هذه الصورة، استدعت الآلة الدعائية مصطلحا جديدا لترميمها.

المغرب الواقعي أقوى من هذا القاموس؛ دولة ضاربة في التاريخ، ومجتمع متنوع، ومؤسسات قابلة للنقد والتطوير، ومواقف وطنية لا تحتاج إلى شهادة حسن سلوك من إعلام الجيران. لذلك تظل أفضل مواجهة لهذه الحرب اللغوية هي تفكيك مصطلحاتها وكشف وظائفها والرد عليها بالوقائع. فالمعركة حول الكلمات في جوهرها معركة حول الذاكرة والشرعية والصورة، ومن يسمح لخصمه بأن يعيد تسميته، يمنحه فرصة إعادة كتابة تاريخه وتعريفه أمام العالم.