لا أعرف كمية الأوراق النقدية الزرقاء التي تم توزيعها خلال الحملة الانتخابية. و أغلب الظن أن الكتلة النقدية قد تناقصت لفترة قصيرة عادت بعدها النقود إلى الدورة الاقتصادية عبر الأسواق. و أظهرت كثير من وسائل التواصل الاجتماعي ذلك الإقبال على المأدبات قبل بداية المهرجانات الانتخابية ذات التكلفة الكبيرة. هل تتابع اللجنة العليا للانتخابات ما يدور في الحملات الانتخابية. نتمنى ذلك. لم يبخل صاحب الرغبة في الكرسي على جمهور الحاضرين بكل أنواع الأكل و من ضمنها "الرفيسة " المؤثرة على القرار.
مررت بإحدى ساحات حي شعبي بالرباط ، فصادفت أحد مرشحي أحزاب الحكومة بعض الأوراق التي تحمل صورته و صور أعضاء لائحته الانتخابية. كان يسلم على المارة و يعانق بعضهم و ينادي بعض المنهوكة قوتهم الشرائية بل ضعفهم الشرائي، و يعدهم بتحسين الأوضاع مستقبلا. و من جميل الصدف أن صاحب أحد المحلات الصغرى لبيع المواد الغذائية كان يستمع و يستمتع بطرب جميل غطى على مرور المرشح. كان منشرحا و مرددا لمطلع أغنية " لا تكذبي.. إني رأيتكما معا.. فدع البكاء قفد كرهت الأدمع " . اقتربت منه و سألته إن كان لموضوع الأغنية علاقة بمرور المرشح. فأجابني نعم، و لقد قررت أن اسمعها و اسمعها ( بالضمة على الألف) لكل المرشحين الذين أصبحوا يزوروننا طيلة الحملة الانتخابية. يظهرون حبهم لنا عبر سلام و تحية و كلام، و يجزلون لنا إعطاء الوعود. فلم أجد غير أغنية " لا تكذبي" لاواجههم " بالهمس ،باللمس بالآهات ، بالنظرات ، باللفتات، بالصمت الرهيب " . كلهم يشكرون الحكومة على أفعالها، فرايت أن يكون جوابي " لا تكذبي" يا حكومة. و قال لي أحد شباب الحي أن فرق الحملات الانتخابية أصبحوا ينصحون المرشحين بالابتعاد عن صاحب دكان " لا تكذبي".
و زاد صاحب الدكان في الاستئناس بحديثه معي، و خصوصاً مع استعمالي لبعض أساليب الاستفزاز الإيجابي. أردت أن أعرف إن كانت له حكاية غرام مع كاذبة أو أنه " ادعى أنه عاشقا". انتفض بكثير من الحزن النبيل، و أفشى لي اسرارا عن تلك القوة العنيفة التي ابعدت عنه كل الجميلات من بنات الحي. سألته عن شكل القوة التي جعلته يغرق في بحر اللوم و المواظبة على نعت كثير من السياسيين بالكذب. سألته عن علاقة تلك القوة بأغنية " لا تكذبي" ، فجاء الرد سريعا و واضحا. قال بكثير من الصدق أن صباحاته في متجره الصغير كانت مليئة بتبادل كلمات صادقة مع بنات الحي، و زادت نبرة صوته حدة و قوة حين حالت تلك القوة الشريرة بينه و بين بنات الحي. و لفرط الحيرة في شأنه أردت أن أعرف من يمتلك تلك القوة التي أضرت بدكانه و بقلبه، فأجابني بسرعة، أنها قوة اضعاف القوة الشرائية للأسر التي تسكن هذا الحي الذي تحول فيه الموظف و الصانع و التاجر إلى متقاعدين تتلاعب بهم أمواج التضخم التي لا قلبا رحيما يسكنها، و لا يحركها بؤس الناس الذين يزداد غرقهم في بحر البؤس و الهشاشة. تراكمت ديون الأسر لدى كثير من أصحاب المتاجر الشعبية، و تراجعت تلك الحركة الصباحية التي تكثف من حضور الجمال الطبيعي لتقديم طلبات ملىء ورقة الديون مقابل خبز و زيت و ملح و حليب و زبدة و سميد. أصبح الزوار يقبلون على شراء سجائر بالتقسيط، و البعض منهم يكتفي يطلب قنينة ماء لإطفاء عطش أصبح دائم الضغط بسبب تغير مناخي يكبر مثله مثل الفساد المالي و الأخلاقي.
و هكذا أصبح صديقنا صاحب المتجر الصغير عارفا بأسباب غياب الجمال الذي كان يربط حبه لعمله بتلك اللواتي كانت تضفي على الصباح نكهة خاصة مليئة بالصدق. و منذ أن قامت الحكومة بصنع خلطات سياسية ممزوجة بخطاب مليء بسحر الوعود غادرت الحسناوات دكان التاجر الذي أصبح معروفا بلقب " لا تكذبي" . ارتطم حبه للجمال بغلاء الأسعار، و الذي حقنه بجرعة شديدة المفعول ضد من يستفيدون من كل الأسواق التي يسيطر عليها عتاة سماسرة الزيوت و اللحوم و الاسماك و الحليب و الخضر و الفواكه. انهم في الحكومة اليوم، و قد يتخاصمون اليوم لكي يعيدوا تمثيل مسرحية تعيد فقدان الثقة في المؤسسات طيلة السنوات الخمس المقبلة.
لا أدعو لمقاطعة الانتخابات، و لكني أدعو، كانسان ضعيف أمام حبه لوطنه أن تتم حماية هذا الوطن الغالي من أعداء الداخل. صغيرا وقفت لتحية العلم في الستينات بمخيم تاغازوت الذي تم هدمه لفائدة شركات سياحة تحاول دفعنا للكفر بحب البلاد. و لهذا وجب ربط حب الوطن برومانسية جميلة ، عاش جيلي من مراكش و مدن أخرى ، في حضنها و نحن نتابع الأمريكي " امسترونغ" ، من أعلى جبال تاغزوت، و هو يضع، حسب ما شاهدناه، أولى خطوات الإنسان على القمر. و في نفس هذا الزمن الجميل كنا ننشد مع شباب طانطان و العيون و طرفاية اناشيدا ضد الاحتلال الإسباني الصحراء قبل أن يتم صنع البوليزاريو في حي أكدال قرب الحي الجامعي، و قبل أن يستغل القذافي غضب شباب لزرع جرثومة الإنفصال لدى جزء منهم. و حين فطن الزعيم " الاممي لورطته، تولت دكتاتورية بومدين لعبة صنع" جمهورية الوهم. و لا يفهم جل المفسدين قيمة التربية على حب الوطن. كل من واجههم يتهمونه بالجهل و بمعاداة المصالح العليا للبلاد. و لا ادل على هذا ذلك التحدي الذي أعلنه الوزير وهبي ضد خصومه، و من يختلفون معه حول كثير من القضايا الخلافية.
لا تكذبي ياحكومة تشارك بأقنعة متعددة الأشكال، و موحدة السلاح الموجه إلى صدر المغاربة. لا أنتظر المستحيل من معارضيكم، لأنه لم يعد معارضا للفساد منكم في بلادي. لهذا استرجع كلمات الشاعر.... حين اصر على ترديد تهمة " لا تكذبي" . و رمى بكينونته في مستنقع الشك و اليقين معا ، و قال بكثير من الوعي, " فأنا صنعتك من هواي و من الجنون... و لقد برئت من الهوى و من الجنون" . و تستمر معركة بين الكذب و الصدق إلى الأبد. و ستستمر محنة بلادي مع سماسرة السياسة و العقارات و الطاقة. رحم الله شهداء قضايا بلادي من أجل الاستقلال و الديمقراطية، و شكرا لمن ناضلوا من أجل القطع مع سنوات الرصاص. و لا زال أبناء الخونة يستفيدون من الريع و الفساد و يحاولون صنع مجد لم يصنعه اجدادهم الخونة. مجد الحركة الوطنية كتب بدماء المقاومين و مجد بناء دولة المؤسسات بناه، إلى جانب المجاهد محمد الخامس جيش من الوطنيين الشرفاء الصالحين فعلا في كافة أرجاء الوطن. لا تكذبي يآ فئة تسلطت على الوطن و كانت تعيش في حضن المستعمر و معاونيهم من القياد و " الزطاطين " الذين عاشوا في كنف الباشا لكلاوي، و تنكروا له بعد ثورة الملك والشعب و رجوع الملك إلى عرشه و نضاله. و الكثير منهم اشتروا الضلالة ...
لا تكذبي ايتها الوزيرة التي كانت بالأمس تفضل السباحة في شواطئ المحيط الهادئ و لم تهتم يوما بالسياحة الداخلية. و لا تكذبي يا وزيرة راكمت المسؤوليات و غابت عن كل ميادين المسؤولية من فرط ادمانها على الكلام المباح . لا تكذبي يآ وزيرة تتكلم عن الطاقة بتجرد من المسؤولية عن كل ما ورد البرنامج الحكومي و تتصنع دور الخبيرة المناضلة الجديدة على سوق السياسة. و لا تكذبي ياحكومة اخنوش ، و نزار بركة و المنصوري و كافة من وعدوا فاخلفوا ، بعدها وزعوا وعودا قديمة في كلامهم عن المآسي التي تسببوا فيها للشعب المغربي. قولوا ما شاء رأسمال كذبهم أن يصنع في قلب خطابكم، و لكنكم ستظلون محط اتهام بالكذب على المغاربة إلى أن تثبتوا العكس . المغاربة يقولون لحكومتكم من قلب حي شعبي " لا تكذبي.... و دع البكاء فقد كرهت الأدمع". و لكن وجب الاعتراف بأن الكذب أصبح حرفة لدى كثير من الفئات الاجتماعية المتضررة من غلاء المعيشة. يقبل جزء مهم من هؤلاء المواطنين على سوق " الورقة النقدية الزرقاء مقابل تصويته" لفائدة منحرفين احتلوا كل ميادين التجمعات الانتخابية، و سيطروا على حملات الكثير من الأحزاب. و يختتم محمد عبد الوهاب راءعته " لا تكذبي" بغناء شجي يعترف، من خلاله ، بأن اكتشافه للكاذبة التي " تتحدى" صحبة خليلها " الشوق بالقبلات" أصبحت جزءاً من ماضيه بعد أن صنعها من هواه و من جنونه لأنه شفي " من الهوى و من الجنون". و هكذا تلاعب العاشق و معشوقته بالشاعر ، و بصاحب المتجر الصغير، كما تلاعب المرشح المهووس بحب الاغتناء السريع و ذو الرغبة الكبيرة في النصب على الفقراء لكي يمتطيهم حتى يجلس على كرسي يبيض ذهبا لمجرد أنه يوجد داخل أكبر بناية في قلب العاصمة الرباط. نسيت أن اعترف بأنني من الطوباويين الذين فقدوا البوصلة لأنهم آمنوا بأن الإصلاح ممكن من داخل منظومة سياسية و قانونية و مؤسساتية و دستورية قائمة منذ 2011. حين يتقوى الفاسدون و تغيب المحاسبة يفضل الحالمون بغد أفضل أن يتمسكوا بمحاولة تغيير المنكر بالقلب فقط.






