رأي

عبد الصمد بنشريف: التغيير ضرورة للدولة والمجتمع

كاتب صحفي

ليس التغيير انتقاماً ولا قصاصاً، وليس مرادفاً للنهب والاضطراب وحالات الاستثناء. إنما تخشاه الأنظمة المستبدة التي تفتقر إلى الشرعية الشعبية والديمقراطية، وتضطرب منه البنيات المحافظة التي ترى في كل تحول مساساً بمصالحها وامتيازاتها. فحين تهب رياح التغيير، لا يكون خوف هذه القوى على استقرار الوطن بقدر ما يكون خوفها على ما راكمته من نفوذ ومكاسب.

والتغيير، في جوهره، انسجام مع قانون الحياة والطبيعة، وضمان لاستمرار الوجود وتجدد شروطه. إنه تشبث بالحياة، وسعي إلى تأمين اشتغال الدولة والمجتمع على نحو سليم، وإلى بناء علاقات واضحة بين الحاكمين والمحكومين، وإقامة مؤسسات فعالة وذات مصداقية، يثق فيها المواطنون ويلجؤون إليها مطمئنين.

ولا يولد التغيير من وحي عابر أو فكرة تلمع فجأة في مخيلة شعب. إنه ثمرة طبيعية لضرورات اجتماعية وسياسية واقتصادية وثقافية، واستجابة لما يفرضه السياق التاريخي الذي تعيشه الدولة والمجتمع. كما أنه ليس بالضرورة عنفاً تمارسه الجماهير في الشارع، ولا فوضى تقود إلى المجهول. لذلك، فالمطالبون بالتغيير ليسوا مثيري فتنة ولا قطّاع طرق؛ إنهم يطالبون بإعادة الأمور إلى نصابها، وبأن توضع كل مؤسسة في مجالها، وكل سلطة عند حدودها، وأن يشعر المواطنون بأنهم يعيشون في وطن آمن يصون كرامتهم ويضمن لهم حياة مستقرة.

التغيير الذي نحتاج إليه هو أن يجد المواطن عملاً يحفظ كرامته، وألا تظل البطالة والعطالة قدراً يلاحق الشباب ويغلق أمامهم أبواب المستقبل. وهو أن تستعيد المدرسة العمومية ثقة الأسر، فلا تضطر إلى تحمل فواتير باهظة لتعليم أبنائها في مدارس القطاع الخاص أو مؤسسات البعثات الأجنبية. وهو أن تتحول المستشفيات العمومية إلى فضاءات للعلاج والطمأنينة، لا إلى أماكن يختلط فيها الألم بالخوف، فيجد من يملك الإمكانات نفسه مدفوعاً إلى القطاع الخاص، حيث بات جزء منه أشبه بمقصلة تثقل كاهل الناس وتستنزف مواردهم.

التغيير هو أن تقوم مؤسسات المواطنة بدورها، وأن تعيد الاعتبار للمواطن، لا أن تجعله غريباً في وطنه أو عاجزاً عن نيل حقوقه. وهو انتماء فعلي إلى المستقبل، وتعاطٍ ذكي وعقلاني مع التحولات والأحداث، واستعداد من الحاكمين ومحيطهم وبنياتهم للتنازل عما ينبغي التنازل عنه من امتيازات وممارسات، متى كان ذلك ضرورياً لتحقيق انتقال ديمقراطي عميق وحقيقي.

إن الانتقال الذي نطمح إليه هو انتقال يؤسس لدولة المؤسسات والقوانين، حيث لا أحد فوق القانون ولا أحد يُستثنى من المساءلة. وهو انتقال يضع حداً للزبونية وعلاقات القرب والريع والفساد والإفلات من العقاب، ويفتح الطريق أمام ديمقراطية حقيقية لا تكتفي بالاسم، بل تجسدها الممارسة، وتحميها مؤسسات مستقلة وفاعلة، وتترجمها حقوق مصونة ومحاسبة واضحة.

ولا يمكن تجاهل القلق الحاد والأسئلة المشروعة التي تشغل بال أغلبية المغاربة بشأن الآفاق الغائمة والمسارات الملتبسة التي يخشون أن يجدوا أنفسهم سائرين فيها. فالمؤشرات الاقتصادية والاجتماعية المقلقة، وارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية والمحروقات، وتفاقم البطالة، ولا سيما بين الشباب، واتساع الفوارق الاجتماعية والمجالية، كلها عوامل تغذي عدم الارتياح، وترسم مشهداً يطغى عليه التذمر ورفض الأوضاع وتراجع الثقة في المؤسسات.

وحين يعجز الوطن عن صون كرامة مواطنيه، بتوفير مصدر عيش قار، وسكن لائق، وخدمات صحية جيدة، وتعليم يضمن تكافؤ الفرص وينتج قيماً مشتركة، فإن الصلة بين المواطن وأرضه ومقومات انتمائه تصبح مهددة. فالمواطنة لا تُفرض بالشعارات، والانتماء لا يُصان بالخطب، بل يترسخان حين يشعر الإنسان بأن وطنه يحميه، ويمنحه أسباب الحياة، ويكفل له حقه في مستقبل كريم.

من هنا، تبرز مسؤولية الجميع، وفي مقدمتهم المسؤولون والفاعلون في مختلف المواقع، في التحلي بإرادة سياسية قوية وقناعات واضحة وصلبة، تتيح تدشين مرحلة جديدة وإعلان قطيعة فعلية مع الاختلالات التي عطلت الإصلاح وأضعفت الثقة. المطلوب ترجمة مفهوم الدولة الاجتماعية إلى سياسات ملموسة، والانطلاق نحو نموذج ديمقراطي متكامل، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً ومجالياً وثقافياً وإعلامياً. فالدولة الاجتماعية لا تُقاس بما تعلنه من وعود، بل بما توفره من حماية وفرص وخدمات، وبقدرتها على تقليص الفوارق وإعادة الاعتبار للحقوق.

ويقتضي ذلك ترسيخ مفهوم جديد للوطن: وطن يتسع لجميع الإيديولوجيات والقناعات والحساسيات والأفكار والمواقف، ويحمي حقوق الجميع من دون تمييز أو إقصاء. وطن يمنح مواطنيه أسباب الحياة ومحفزات البناء والعطاء والبقاء، ويقوي انتماءهم إليه من دون عقد أو مشاعر اغتراب وعدمية. وهذا الوطن لا يستقيم إلا في ارتباط عضوي بدولة الحق والقانون: دولة حديثة وعقلانية وديمقراطية، تستند إلى مؤسسات فعلية وقوانين تضمن الحقوق وترعى المصالح العامة، وتقوم علاقتها بمجتمعها على تعاقد واضح ومتوازن، يعيد إلى كلمة «المواطنة» معناها وإلى الدولة مسؤوليتها.

إن السياقين الوطني والدولي يفرضان إقلاعاً سياسياً وتنموياً لا رجعة عنه، وتعميقاً للقيم العقلانية، وترسيخاً لعلاقات تقوم على منطق المؤسسات، حيث تكون السيادة للقانون، وحيث لا تتحول الاختيارات الاستراتيجية إلى نزوات أو ردود أفعال ظرفية. نحن في حاجة إلى طفرة فعلية تعيد للمواطنة قوتها، وتمنحها أسباب الثقة والحماسة والمشاركة.

التغيير ليس تهديداً للوطن؛ التهديد الحقيقي هو إغلاق أبواب الإصلاح، والاستمرار في تجاهل المطالب، وترك أسباب القلق والتذمر تتراكم. أما الإصلاح العميق، فهو الطريق إلى دولة أقوى ومجتمع أكثر تماسكاً، ووطن يشعر أبناؤه بأن لهم فيه مكاناً وحقوقاً ومستقبلاً.