تحليل

من التوجيهات الملكية إلى الالتزامات الحكومية لحماية صحة النساء وحقوقهن

مولاي أحمد الدريدي (محلل في السياسات الصحية وحقوق الإنسان)
مع حلول أكتوبر الوردي، شهر التعبئة العالمية لمكافحة سرطان الثدي، يبرز سؤال يتجاوز رمزية الشريط الوردي إلى جوهر السياسات العمومية: هل ستجعل رئيسة الحكومة، خلال تقديم برنامجها أمام البرلمان، صحة النساء وحقوقهن أولوية واضحة ضمن الالتزامات الحكومية المقبلة؟.


وهل يمكن أن يحمل ارتداء الشريط الوردي، إذا سمحت الظروف والبروتوكولات المؤسساتية بذلك، رسالة تضامن تتجاوز البعد الرمزي، وتعكس إرادة سياسية لترجمة التوجيهات الملكية الداعية إلى النهوض بأوضاع المرأة وتعزيز المساواة إلى إجراءات ملموسة؟.


إن الرهان لا يتعلق بمظهر بروتوكولي، بل بمدى قدرة الحكومة على تحويل المبادئ الدستورية والتوجهات الملكية إلى سياسات تضمن الكرامة والإنصاف وتكافؤ الفرص، وتستجيب لانتظارات النساء المغربيات.


ما الالتزامات المنتظرة من الحكومة؟


يشكل سرطان الثدي اختباراً عملياً لمدى ضمان الحق في الصحة. فرغم وجود برامج وطنية للكشف المبكر ومراكز مرجعية ووحدات متنقلة، لا يكفي قياس الجهود بعدد المنشآت والحملات، بل ينبغي تقييم النتائج الفعلية ومدى استفادة النساء منها.


ومن هذا المنطلق، ننتظر أن تتضمن التصريحات والبرامج الحكومية التزامات واضحة في خمسة مجالات أساسية:


أولاً: تعميم الكشف المبكر وتحقيق العدالة المجالية.

وضع أهداف وطنية قابلة للقياس لتوسيع استفادة النساء من الكشف، مع إعطاء الأولوية للمناطق القروية والنائية والفئات الأكثر هشاشة، ونشر النتائج سنوياً حسب الجهات.


ثانياً: ضمان استمرارية العلاج وتخفيف أعبائه المالية.

تعزيز التغطية الصحية، وتقييم ما تتحمله الأسر من نفقات الفحوص والأدوية والعلاج والتنقل، والعمل على إزالة الحواجز المالية التي قد تؤخر التشخيص أو تؤدي إلى انقطاع العلاج.


ثالثاً: حماية كرامة المرأة واستقلاليتها الاقتصادية.

تعزيز حماية النساء المصابات من التمييز المرتبط بالمرض، وتيسير استفادتهن من الحقوق الاجتماعية والمهنية، والحد من مخاطر فقدان العمل والدخل خلال فترة العلاج.


رابعاً: ربط الصحة بمناهضة العنف.

اعتماد مقاربة تحترم الخصوصية والكرامة والاستقلالية في اتخاذ القرارات الصحية، وتربط الوقاية والتشخيص والعلاج بالحماية من مختلف أشكال العنف والتمييز، انسجاماً مع شعار مبادرة الجمعية الطبية لإعادة تأهيل ضحايا العنف وسوء المعاملة (AMRVV): «أكتوبر الوردي بلا عنف – نفحص، نعالج، نحمي».


خامساً: إشراك المجتمع المدني في التقييم والمساءلة.

إرساء آليات منتظمة للتشاور مع الجمعيات الصحية والحقوقية، والنساء المتعافيات، والفاعلات الاقتصاديات، بما يضمن تقييم السياسات العمومية وتصحيح الاختلالات بناءً على معطيات ميدانية.


من الرمزية إلى المساءلة


إن الرسائل الملكية الداعية إلى تعزيز حقوق المرأة والنهوض بأوضاعها تضع السياسات العمومية أمام مسؤولية ترجمة هذه التوجهات إلى نتائج ملموسة. ومن مسؤولية الحكومة أن تجعل الحق في الصحة والحماية الاجتماعية والإنصاف المجالي جزءاً من أولوياتها وبرامجها وميزانيتها.


لذلك، فإن تقديم البرنامج الحكومي أمام البرلمان يمثل فرصة للإعلان عن أهداف محددة، وآجال واضحة، وموارد مالية مناسبة، ومؤشرات تسمح للمؤسسات والمجتمع المدني والمواطنات والمواطنين بتقييم مدى الوفاء بالالتزامات.


فهل ستعلن رئيسة الحكومة عن خطة عملية تضمن وصول النساء إلى الكشف المبكر والعلاج دون تمييز؟ وهل ستلتزم بتقليص الفوارق المجالية والمالية التي تحد من استفادتهن من الخدمات الصحية؟


إن ارتداء الشريط الوردي رسالة تضامن، أما القيمة الحقيقية لهذه الرسالة فتتجلى في السياسات التي تحمي حياة النساء وكرامتهن وحقوقهن.


المغرب في حاجة إلى تعبئة لا تنتهي بانتهاء شهر أكتوبر، بل إلى التزام حكومي مستمر يجعل صحة النساء وحقوقهن أولوية طوال السنة، ويترجم التوجهات الملكية إلى إنجازات قابلة للقياس.


ذلك هو المعنى الحقيقي لشعا: «أكتوبر الوردي بلا عنف – نفحص، نعالج، نحمي.